لجأ السياسيون الإسرائيلون الى الإعلام وتسليط الأحداث حول الفن المشبوه ، وذلك بعد عدم مقدرتهم من السيطرة على كل من الضفة وغزة وعرب 48
فقاموا بتنفيذ مسلسل أُطلق عليه اسم (فوضى) ، وتأتي كلمة فوضى التي تستخدمها وحدات المستعربين ( مستعرفيم) في حال تأزمت الأمور ، حد فقدان السيطرة على الموقف ، فيتم النداء بكلمة فوضى طلبًا للتّدخل العسكري المفتوح
وتتبلور الأحداث حول قصة فلسطيني يدعى أبو أحمد يقتل الاطفال والنساء والشيوخ العُزّل حيث تسبب بمقتل 143 إسرائيلي بحسب ما يُصوّرونه
في المُقابل( دورون) ، وهو ضابط سابق في وحدة مكافحة الإرهاب السرية التي تعمل داخل المجتمع الفلسطيني ، حيث يعود إلى الخدمة بطلب من مديره السابق بعد اكتشافه أن قائدًا عسكريًا في حركة حماس ، كان يظنّ أنه قتله ، ما زال حيًا وهو مسؤول عن عشرات الهجمات الانتحارية
وسُلّطت أحداث المُسلسل أيضًا على قصة مايا ( الشرطية الإسرائيلية العربية ) التي تزوّجت اسرائيلي عن حب كبير وآمنت بالدولة اليهودية ، ومدى شجاعتها بمحاربة الإرهاب
كما يُصوّر المسلسل ضمن أحداثه كيف أن عرب 48 يؤمنون بالدولة اليهودية ، ويصورو أن حل الدولتين انتهى ولا يوجد شركاء سلام ، كما طمس هوية العرب في اسرائيل
لا يعتمد المسلسل فقط على الخوف من المساحات الفلسطينية ، بل يُضخّمه ويُشرّعه ، حيث يُصوّر الفلسطينيين على أنهم مخلوقات مُخيفة وغريبة تعيش في بؤر لا تجرؤ إلا القوات الخاصة على المغامرة بدخولها
تمكنت الصهيونية من تحويل الفلسطينيين إلى شخصيات غريبة في وطنهم ، لكن ( بعض المدافعين ) عن مسلسل فوضى ، زعموا أن هذه السلسلة تُجسّد في الواقع مُخططًا إنسانيًا وحتى يساريًا ، لأنها تُصوّر تعقيد حياة الفلسطينيين ، وتُبين أن الناس على الجانب الآخر بشر أيضًا ويستحقوا أن ينعموا بسلام
ونظرًا لحقيقة للواقع المنعكس فإن مدى وحشية الجيش الإسرائيلي تكمن بقتل الأبرياء الفلسطينيين من أطفال ونساء وشيوخ عُزّل فى الضفة الغربية وقطاع غزة منذ احتلالها لفلسطين
لكن هذه النقطة تستحق التأمل ، خصوصًا بعد سنوات عديدة من حكم إسرائيل العنيف على ملايين الفلسطينيين بالحرمان من حقوقهم
ركز الجزء الأول والثاني من المسلسل على العمليات السرية للوحدة في الضفة الغربية المحتلة ، وتدور أحداث الموسم الثالث حول العمليات المُنفّذة في غزة
وقبل بث الموسم الأخير منه ، أطلق المُنتجون حملة إعلانية شرسة غمرت شوارع إسرائيل بلوحات إعلانية ضخمة ، تُصوّر الموسم الجديد بوجه ممثل ذي نظرة ثاقبة مليء بالكدمات وإلى جانبه عبارة “مرحبا بكم في غزة” مكتوبة باللغة الإنكليزية ، ولكن باستخدام الحروف العبرية
علاوة على ذلك ، يُشجّع معظم المشاهدين عمليات الإعدام أو الاحتجاز أو الكمائن المُتطوّرة التي يروّنها على شاشاتهم ، ولا يقتصر الأمر على الإجراءات التي اتخذت في غزة المحاصرة ، فأجزاء المسلسل تشمل الضفة الغربية أيضًا
فقد أصبحت كل من نابلس ورام الله وجنين تُمثّل رمزًا للعالم السُفلي الذي يدخله الإسرائيليون ويغادرونه بـ”شجاعة”، بدلاً من كونها مدنًا نابضة بالحياة تبعد مسافة قصيرة بالسيارة عن المكان الذي يعيشون فيه
البث الحي
وأشارت الكاتبة في مسلسلها ، إلى القطاع المحاصر الذي أغلقته إسرائيل منذ أكثر من عقد من الزمان ، والطريقة التي عاقبت بها أكثر من مليوني إنسان فيه بالموت البطيء ، ويبدو أن هذا المسلسل يُمثل ملعبا افتراضيًا جديدًا من شأنه أن يروي عطش المشاهدين الإسرائيليين للإثارة
علاوة على ذلك ، وصف موقع إعلامي عبري يميل إلى اليمين ، بأن الموسم الأخير على أنه مثير جدًا للإعجاب
ومع مشاهدة التحديات المُثيرة ، والمهام الجريئة الجديدة ، ( كما هو الحال في ألعاب الفيديو المعقدة ) ، يمكن للمُشاهد أن يستلقي وينسجم مع الدراما في المسلسل ، ولكن دون أن يدرك المشاهد الدرامية التي تتعرض لها غزة
وهكذا يُصبح الوضع الوحشي الذي يعاني منه مليونا إنسان تحت الحصار مُجرّد مرحلة تُحددّها القصة ، وعلى هذا النحو يُصبح حِصار غزة نفسه أفضل عرض ترويجي للمسلسل التلفزيوني
وبفضل عام آخر من الحصار ، أصبحت غزة نوعًا من الأساطير بالنسبة للإسرائيليين ، أي إنها ليست حقيقية تمامًا ، بمعنى أن الناس الحقيقيين ما زالوا يعيشون هناك ، لكنها في الوقت نفسه مخيفة للغاية ومهددة
في الواقع ، يُشكّل جهل الإسرائيليين العاديين الذي يَزدهر خلف الشاشة المُظلِمة التي فرضتها إسرائيل حول الضفة الغربية وقطاع غزة ، إضافة إلى الخوف الأولي الذي يُوّلده هذا الجهل ، عنصرين رئيسيين وراء نجاح هذه السلسلة
خِتامًا ، يجب علينا الإنتباه جيداً إلى الإعلام والفن الصهيوني الذي يقوم بخلق فوضى وإنقسام بين شطري فلسطين وعرب 48 وطمس الهوية العربية الفلسطينية عبر هذا العمل الدرامي المشبوه ، ولم يقع المسلسل في إطار الترويج بوصف شعب إسرائيل كاملاً بالأخلاق والنبل فقط ، بل تجاهل أيضاً القضية الفلسطينية ومعاناة الشعبها ، الذي يرضخ تحت حصار دامس
خصوصاً بعدما إستحوّذ على “الترند” أكثر من مرة على موقع “تويتر” تحديدًا ، وتلقى دعمًا من غالبية قادة أجهزة المخابرات المتقاعدين في إسرائيل ، حتى أن إيهود بارك رئيس الوزراء السابق حضر العرض الافتتاحي للمسلسل
لقد صدر العمل الدرامي في نسختين باللغتين العبرية والعربية ، واختارته صحيفة “نيويورك تايمز” ضمن أفضل العروض في عام 2017 ، بينما قوبل بانتقادات من ناشطين فلسطينيين، ووصفوه بأنه دعاية لإسرائيل ، ودُشِنت العديد من الحملات لمقاطعة شبكة “نتفليكس” وذلك لتروّيجها الأعمال الإسرائيلية ضد العرب من خلال مسلسل [فوضى]
2023-03-03