العقده المستعصيه للدبلوماسية العراقية!!!!
عزيز الدفاعي
«الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس‑بيكو غير مقدسة بالنسبة لنا، والكورد لم يكونوا يومًا جزءًا من هذه الدولة (العراق) حتى يقرروا الانفصال عنها»!!!!!!
فواد حسين 16 ديسمبر/ كانون الأول 2016
منذ عام 2003، ظلّ ملف السياسة الخارجية في العراق واحدًا من أكثر الملفات إثارةً للجدل، ليس فقط بسبب تعقيدات البيئة الإقليمية والدولية، بل أيضًا بسبب طبيعة البناء السياسي الداخلي القائم على المحاصصة والتوازنات الحزبية. ومع كل جدل يطفو إلى السطح حول تعيين سفير أو إدارة وزارة الخارجية، يتجدد السؤال الجوهري: هل تعكس الدبلوماسية العراقية مشروع دولة ذات سيادة ورؤية استراتيجية، أم أنها امتدادٌ لأزمة الحكم في الداخل؟
لقد تعاقب على إدارة وزارة الخارجية وزراء ينتمون إلى قوى سياسية مختلفة، وكان للتمثيل الكردي حضورٌ بارز في هذا الموقع السيادي. غير أن الجدل الدائر لا يتصل بالانتماءات القومية بقدر ما يرتبط بطبيعة المعايير المعتمدة في اختيار القيادات الدبلوماسية. فخلال أكثر من عقدين، لم يخضع اختيار رؤساء البعثات دائمًا لمقاييس واضحة من المهنية والخبرة والكفاءة، بل كثيرًا ما تأثر بمنطق التوازنات الحزبية وتقاسم النفوذ، الأمر الذي أضعف صورة العراق في الخارج وأفقده فرصة بناء جهاز دبلوماسي محترف ومستقر.
وقد شهدت الساحة الدبلوماسية حوادث وإخفاقات متعددة أسهمت في تكريس الانطباع بأن المناصب تُوزَّع أحيانًا على أساس القرب السياسي أو الاجتماعي، لا على أساس الجدارة. وفي ظل غياب استراتيجية وطنية شاملة للأمن القومي والسياسة الخارجية، بقي الأداء الدبلوماسي يتحرك بردود أفعال آنية، بدل أن يستند إلى رؤية بعيدة المدى تحدد أولويات العراق في محيطه الإقليمي والدولي.
ويزداد المشهد تعقيدًا حين يُطرح معيار “الرمزية” أو “التعويض المعنوي” أساسًا لتولي مواقع سيادية. فالتضحية الوطنية، مهما عظمت، لا يمكن أن تكون وحدها معيارًا لشغل منصب دبلوماسي يتطلب خبرة قانونية وسياسية ومهارات تفاوضية عالية. لقد قدّمت آلاف العائلات العراقية تضحيات جسيمة خلال عقود القمع والحروب، وتعرّضت أسر بأكملها للإبادة أو الإعدام أو التهجير. غير أن تكريم هذه التضحيات ينبغي أن يتم في إطار العدالة الانتقالية والإنصاف المجتمعي، لا عبر اختزال الدولة في منطق المكافأة السياسية أو الرمزية.
كما أن تعدد مراكز القرار، ووجود قنوات تأثير خارج الأطر المؤسسية الرسمية، أسهما في ترسيخ صورة الدولة المنقوصة السيادة، حيث يُنظر أحيانًا إلى العواصم المؤثرة بوصفها ساحات حسم غير معلن لبعض الاستحقاقات السياسية. وهذا الواقع، إن صحّ، يعكس خللًا بنيويًا في مفهوم السيادة الوطنية وآليات صنع القرار، ويضعف ثقة المواطن بجدوى العملية الديمقراطية ذاتها.
عندما تُحدِث تغريدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب زلزالًا سياسيًا ينسف معنويًا صناديق الانتخابات، وعندما يتحدث وزير خارجية تركيا بلغة التهديد، محددًا مستقبل شمال العراق وكأنه شأن داخلي تركي، وعندما تُجبر بغداد على التحول إلى ما يشبه مكبّ نفايات الإرهابيين من 60 جنسيه و ساحه صراعات الآخرين، فإن السؤال عن السيادة لا يعود ترفًا سياسيًا، بل يصبح جوهر الأزمة الوطنية
إن إصلاح الدبلوماسية العراقية لا ينفصل عن إصلاح الدولة ككل. فبناء جهاز خارجي فاعل يتطلب أولًا ترسيخ مبدأ المواطنة فوق الهويات الفرعية، واعتماد معايير صارمة للكفاءة والنزاهة في التعيينات، ووضع استراتيجية واضحة للأمن القومي تُلزم جميع المؤسسات بالتحرك ضمنها. كما يتطلب تعزيز استقلالية القرار الوطني، وتحصين العملية السياسية من الضغوط والتجاذبات التي تفرغها من مضمونها.
في الخلاصة، ليست أزمة الدبلوماسية العراقية مجرد إشكال في الأسماء أو الانتماءات، بل هي مرآة لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة ووظيفتها. وما لم يُعاد الاعتبار لمفهوم الدولة المؤسسية القائمة على الكفاءة وسيادة القانون، ستبقى السياسة الخارجية انعكاسًا لارتباك الداخل، بدل أن تكون أداةً لتعزيز مكانة العراق واستعادة دوره الطبيعي في محيطه العربي والإقليمي والدولي
2026-02-19