العراقيون و نار جهنم
د.زيد العاني
لاأذكر أين قرأت مرة أن الانسان يفقد قدرته على العمل و التفكير بمقدار الثلثين عندما ترتفع درجة الحرارة حوله فوق 40 درجة مئوية و ليس لدي الوقت للبحث الآن كما سترون من منشوري التالي.
كذلك معروف أن تكيف الانسان للعيش في ظروف مختلفة ممكن مع أنه يأخذ وقتا قديطول أحيانا حسب قابلية الانسان على الظروف و نوعية هذه الظروف.
كنت أريد أن أكتب منشورا عن تأثير البيئة المدرسية على أداء الطلاب بعد أن شاهدت قبل فترة قصيرة صور لطالبات مدرسة يصحبن معهن مراوح مشحونة بالبطاريات الى قاعات الامتحان و طلبة في مدرسة أخرى قسم يفترشون الارض وقسم منهم على كراسي بدون طاولات ونزعوا قمصانهم بسبب الحر فآلمني المشهد و بقيت هذه الصور الحزينة في ذهني و أتساءل هل فعلا أن البيئة المدرسية في العراق وصلت الى هذا المستوى من السوء؟
ولكن حصل لي اليوم ظرف مثير تطلب مني التحدي و ذكرني بتلك الصور ألخصه ببضعة أسطر.
من المعروف علميا أن درجات الحرارة المرتفعة تؤثر على مزاج الإنسان والذي بدوره يؤثر على السلوك، وتشير الدراسات العلمية إلى أن الحرارة المرتفعة تؤثر على طريقة التفكير والقدرة على الاستيعاب والتعلم،واتزان السلوك وصعوبة التحمل وانعدام الصبر وقلة التركيز وحدة المزاج والعصبية المفرطة بل أن عدد الجرائم تزداد في المناطق الحارة نسبة الى المنطق الاخرى و يرتفع معدل الجريمة في مواسم الحر.
اليوم صباحا و قبل أن أتوجه الى مكتبي في الكلية الكندية في الدوحة (و الذي أجلس فيه حاليا) أستلمت أيميل من أدارة الكلية موجه الى جميع العاملين ينبهون فيه الى أن خللا أصاب التبريد المركزي في الكلية و نجم عنه عطل في التبريد و أبلغوا العاملين بأنهم يستطيعون البقاء في بيوتهم لتفادي الحرارة و الرطوبة العالية( فتحت السيارة فسجل الثرموميتر 40 درجة مئوية في الساعة السابعة و النصف، قلت نحن بخير، في بغداد تقرب من 50). لاتوجد لدينا مراوح أو بدائل عن الايركوندشن في الكلية وهذه هي المرة الاولى التي تحصل عندنا منذ عشر سنوات وكان الايميل يشير الى أن الجو حار و رطب وغير صالح للعمل.
أتصل بي مدير دائرةالابحاث في الكلية يبلغني أن بأمكاني العمل من البيت لاكمال تقرير دوري مهم جدا، خاص بأحد الابحاث، علي تقديمه قبل نهاية اليوم الى الجهة الممولة كنت قد تأخرت في تقديمه بسبب عطل في جهاز الكومبيوتر في مكتبي يوم أمس. و عدم تـقديمه يعني ضياع جهد شهر و نصف و خسارة بعض المال من المنحة وتسجيل فشل، و ليس من عادتي أن أتخلف عن ألتزام مسبق.
تذكرت وقتها مشهدين: الاول صورة أولئك الطلاب الذين تكلمت عنهم في بداية المنشور. المشهد الثاني للفنان الراحل المرحوم خليل شوقي في مسرحية النخلة الجيران التي حضرت عرضها في أوائل السبعينيات على ما أظن و مقولته الشهيرة ” شكثر حارة اليوم —- من هاي العراقيين ميخافون من نارجهنم” مع أن القصد لم يكن حرارة الجو وكنت أتحدث عنها مازحا قبل أسبوع مع بعض زملائي في العمل في حديث عن الطقس في العراق ومن ضمن هؤلاء كان مدير الابحاث الذي ضحك كثيرا على هذه المقولة.
قلت للمدير سأتحدى الحرارة و الرطوبة و أكمل التقرير اليوم و في كل الاحوال أنا بحاجة الى وثائق عديدة موجودة في المكتب ولا يوجد وقت لتجميعها و العودة الى البيت. ذهبت وكانت الكلية شبه فارغة بأستثناء عمال الصيانة وما أن صعدت الى مكتبي المنعزل و المحصور وسط مجموعة من مكاتب الاساتذة يفصل بينها ممر ضيق، حتى بدأ العرق ينزل أسفل الوجه و بمعدل يزداد تدريجيا مع الوقت، مع التوتر و القلق بعدم اأكمال التقرير، لتنزل قطراته ببطء على الوجه و الذقن ومنه الى طاولة المكتب أضافة الى النظارات التي أضطر الى مسحها بين الحين و الآخر وما أن أقوم بالتهوية بواسطة ملف كرتوني و أتوقف للكتابة حتى يتكرر المشهد و تنشط لدي الثلاثة ملايين غدة عرقية (وهي عدد الغدد المسؤولة عن أفراز العرق) حيث عملت هذه الغدد اليوم على مايبدو بكفاءة نادرة، و لكن في كل مرة أتذكر الطلبة الذين لم يستطيعوا جلب المراوح معهم الى الامتحانات ونزعوا القمصان.
أنساني العمل على التقرير الحرارة و التعرق بأستثناء القيام لفترات قصيرة بغسل الوجه و شرب الماء. تحديت الحرارة و الرطوبة و أكملت التقرير وأنا منهك تماما. وبالضبط مع ضرب مفتاح تقديمه الـ (Submission Key) و قبل دقيقة من الموعد النهائي أشتغل التبريد فأستغرقت بالضحك فرحا و مندهشا للصدفة فقمت لاغسل وجهي بماء بارد ثم رجعت و أعدت لبس الربطة وأخذت لنفسي السلفي (و أنا مبتسم فرحا بنجاح التحدي) و الذي تجدونه و خلفي لوحة تمثل بعضا من حضارتنا و ثقافتنا البابلية تنقلت في مكاتبي على مدى خمس و عشرون عاما لتذكرني دائما بحضارتنا العريقة.
قبل كتابة هذا المنشور أتصلت بالمدير الذي بقي ينعم بالتبريد في بيته كالآخرين(و هو كندي أصله من مدينة كندية معدل حرارتها شتاءا35تحت الصفرو صيفا 18م) لابلغه بأنني قدمت التقرير فقال لي ضاحكا يبدو أنك أسترجعت جيناتك العراقية (تذكرحديثي منذ أسبوع و مقولة المرحوم خليل شوقي أثناء حديثنا عن الجو في بغداد) وقال ضاحكا أثبتم أنتم العراقيون أنكم فعلالاتخافون من نار جهنم. قلت له على العكس نحن مجتمع محافظ مؤمن لكن الشياطين بكل صنوفها تعمل به بنشاط وبأضعاف ما تعمل في غيره، هؤلاء الشياطين هم الذين لا يخافون نار جهنم ومع نفسي قلت هؤلاء الشياطين هم من حرم طلبتنا من تادية أمتحاناتهم في بيئة صحية و سليمة. لهؤلاء الطلبة تحية الصمود و التحدي العراقي الاصيل.