رنا علوان
[الطنطورة] وتحمل معنى ، الأحجار أو الأشياء المتراصة فوق بعضها البعض ، وهي عبارة عن شكل شبه هرمي بني على ارتفاع أعلى من السور الذي وضع عليه ، ويؤكد أهالي العلا أن هذه الاحجار بُنيت على سور مدرسة قديمة ، وأصبحت تمثل الساعة الشمسية
[الطنطورة] وهي قرية فلسطينية تقع الي الجنوب من مدينة حيفا ، وتبعد عنها 24 كم وترتفع 5 مترا عن سطح البحر ، وتقوم القرية علي بقايا قرية (دور) الكنعانية وتعني المسكن
وتبلغ مساحة أراضيها 14520 دونُمًا ، وتحيط بها قري كفرلام والفريديس وعين غزال وجسر الزرقاء وكبارة
قبل ربع قرن كان طالب إسرائيلي في الدراسات العليا يبحث في آثار النكبة على عدد من القرى القريبة من حيفا ، فوجد نفسه يتحدث مع محاربين إسرائيليين قدامى يتكلمون بالتفصيل ، وبأريحية عن دورهم في إحدى المجازر
وضُمنَ سَعيه للتنقيب عن حقيقة ما حدث في الطنطورة في أيار/ مايو من عام 1948 ، أجرى تيدي كاتز مقابلات مع ما يقرب من 135 شخصاً ، من الفلسطينيين والإسرائيليين ، وجمع منهم شهادات تصل إلى 140 ساعة مسجلة ، لاستخدامها في إعداد أطروحته في جامعة حيفا
إحتوت أطروحته على تفاصيل مجزرة نفذها في القرية بعد سقوطها لواء ألكسندروني ، وهو واحد من العديد من الألوية التي أسستها المنظمة الصهيونية شبه العسكرية والمعروفة باسم الهاغاناه ، ذَبح فيها حوالي 250 فلسطينياً
خَلُصَ كاتز من خلال ما جمعه من شهادات شخصية وتقارير (شهود العيان) إلى أن الجنود الإسرائيليين تخلصوا من جثث الفلسطينيين المذبوحين بدفنها في قبور جماعية
وطُبعت أطروحته في عام 1998 وحصلت حينذاك على تقييمات أكاديمية معتبرة
عثر أحد الصحفيين على الأُطروحة في كانون الثاني/ يناير من عام 2000 ونشر مقتطفات منها في صحيفة معاريف الإسرائيلية ، مما تسبب في إثارة موجة من الإنكار والسخط على نطاق واسع
تعرض كاتز للاتهام من قبل الأشخاص الذي خاض معهم المقابلات بأنه حرف رواياتهم ، وقاضوه بتهمة التشهير
وجد كاتز نفسه يتراجع عما توصل إليه من نتائج ، ولكنه عاد بعد أيام ليقول أمام المحكمة إنه إنما فعل ذلك تحت وطأة الضغط وأنه يرغب في الدفاع عن بحثه وعما توصل إليه من نتائج ، لكن المحكمة لم تستجب له وتم إغلاق ملف القضية
أبطلت الجامعة شهادته وما لبث كاتز أن طواه النسيان ، خسر صحته ، ولكنه احتفظ بالأشرطة المسجلة ، ومؤخراً ظهر كاتز في فيلم وثائقي جديد ومثير يسمى الطنطورة من أعمال المخرج الإسرائيلي آلون شوارز
في البداية كان شوارز يعمل في إخراج فيلم وثائقي مختلف حول نشطاء حقوق الإنسان في المنظمات الإسرائيلية غير الحكومية المعارضة للاحتلال ، وأثناء ذلك تعرف على كاتز ، ثم قرر الاستماع إلى الشهادات الشخصية حول جرائم القتل والتدمير التي ارتكبها أعضاء المليشيا الصهيونية ، والذين سجل كاتز شهاداتهم
من بين المقابلات التي لا بد أنه استمع إليها ، شهادة لأحد جنود ميليشيا أليكسندروني ، الذي شارك في الهجوم على الطنطورة ، قال فيها : “بعض هؤلاء الجنود الشباب كما أتذكر [وهو شيء ليس لطيفاً ذكره] وضعوا القرويين الفلسطينيين في برميل وأطلقوا النار على البرميل ، وأتذكر الدم داخل البرميل”
فقرر شوارز التركيز على [الطنطورة] بدلاً من القضية التي بدأ عمله فيها ، وقرر إنتاج فيلم وثائقي إسرائيلي ، يعرض عمليات إبادة ضد الشعب الفلسطيني في عام “النكبة” 1948 ، التي هُجر خلالها قسريًّا أكثر من 750 ألف فلسطيني من 20 مدينة ونحو 400 قرية ، في سلسلة مجازر تجاوزت الـ70 مجزرة ، ويقدر ضحاياها بنحو 15 ألف فلسطينيًّا ، وقرابة 3 آلاف و500 ألف عربي
وكشف الفيلم شهادات لجنود إسرائيليين كانوا جزءًا من لواء الكسندروني في جيش الاحتلال الإسرائيلي، ارتكبوا مجزرة “قرية الطنطورة” عام 1948، بحق 400 فلسطيني من نساء وأطفال بالقتل والاغتصاب والتنكيل بالجثث، وهي المرة الأولى التي يوثق فيها بالفيديو مثل هذه الشهادات، التي كان يفاخر بها مرتكبوها، ضاحكين خلال الفيلم
ففي ليلة 22 أيار ، ونهار 23 أيار 1948 ، احتلت عصابات “الهاغاناة” الإرهابية الصهيونية قرية [الطنطورة] 24 كم جنوب مدينة حيفا ، وارتكبت مجزرة راح ضحيتها 230 شهيدًا ، عُرفت باسم [مجزرة الطنطورة] ، حيث أجُبرت العشرات منهم على حفر خنادق ، قبل أن تطلق النيران عليهم ، وتدفنهم في تلك الخنادق ، وفي مقابر جماعية
وأفاد تقرير نشرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل بأن الأطروحة مرت دون أن يلاحظها أحد حتى نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية النتائج التي توصلت إليها في عام 2000
وتابع التقرير : “خاض مقاتلو اللواء الإسرائيلي معركة ضد كاتس ، وقاضوه بتهمة التشهير ، وبدوره رفض القاضي المكلف بالقضية دون الاستماع إلى أشرطة كاتس ، وتم الضغط على كاتس للتوقيع على خطاب تراجع يفيد بأن المذبحة لم تحدث، وألغت الجامعة شهادته”
وأضاف التقرير أن كاتس ندم على توقيع الرسالة وطلب مواصلة الدفاع عن نفسه ، ووصل الطلب إلى المحكمة العليا التي رفضت النظر في القضية
وبحسب التقرير، قال المخرج ألون شفارتز، لقد كانوا قادرين على خلق الخداع ، الأخبار المزيفة ، لأنه لم يستمع أحد إلى الأشرطة
إذا كانوا قد فعلوا ذلك ، فلن يكون هناك شك في أذهان أي شخص أن شيئا فظيعا حدث في الطنطورة وانه قد كانت هناك عمليات قتل واسعة النطاق
وأضاف أنه مقتنع بأن الجنود الإسرائيليين قتلوا ما يفوق عن 250 فلسطينيا من سكان الطنطورة في أعقاب معركة السيطرة على القرية المزدهرة والاستراتيجية على ساحل البحر الأبيض المتوسط جنوب حيفا
ووفقا للتقرير فإن المشاهد المعروضة في الفيلم الوثائقي مدعومة بوثائق تم الحصول عليها من أرشيف جيش الاحتلال والخرائط الجوية التاريخية التي تم تحليلها من قبل الخبراء ، بما في ذلك أشخاص عملوا في الجيش الذين قال شفارتز إنهم يرغبون في عدم الكشف عن هويتهم
وأجرى شفارتز أيضا مقابلات مع كاتس والمؤرخ إيلان بابي ، بالإضافة إلى قدامى المحاربين الذين تخطوا عمر التسعين والذين كانوا في الطنطورة واعترفوا بارتكاب جرائم القتل