الشيطان سيدخل غزة تحت غطاء المساعدات الإنسانية!
رنا علوان
فور إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن عن إنشاء “الرصيف البحري” أمام سواحل غزة لاستقبال المساعدات الأميركية من البحر عوضًا عن الجو ، غادرت السفينة الحربية «الجنرال فرنك بيسون» ميناء لانغلي يوستيس في فرجينيا إلى شرق البحر المتوسط
وقد حملت (بيسون وهي سفينة دعم لوجيستي) ، معها دفعة من المعدات لإنشاء الرصيف المؤقت بهدف إيصال المساعدات ، حيث ستبحر أوّلا إلى قبرص لتُفحص ، من ثم يتمّ إعدادها للتسليم على متن سفن تجاريّة إلى منصّة عائمة قبالة قطاع غزّة ، ومن ثمّ بواسطة سفن أصغر إلى الرصيف البحري
وقد صرّح «البنتاغون» إن إنشاء الرصيف البحري أمام قطاع غزة سيستغرق عدة أسابيع قد تصل إلى نحو 60 يومًا ، بالإضافة إلى ألف جندي سيعملون في البحر وليس على أرض غزة ، اما المساعدات عبارة عن غذاء ودواء ومياه للشرب بنحو مليوني وجبة يوميًا
وبالفعل بدأت فرقة النقل السابعة ، التي تتخذ من ميناء لانغلي يوستيس في فرجينيا قاعدة لها ، في تجهيز المعدات اللازمة لبناء الرصيف البحري المؤقت ، والذي سيكون عبارة عن كتل من المعدن طول الواحدة منها نحو 12 مترًا يتم تركيبها بجوار بعضها ، على طريقة لعبة الأطفال «الليغو» ، لتُشكل جسرًا يبلغ طوله نحو 550 مترًا
ومن قبرص صرّح رئيسها نيكوس خريستودوليدس استعداده لتقديم ميناء لارناكا ليكون نقطة انطلاق سفن الإغاثة في اتجاه غزة ، ويبعد ميناء لارناكا عن غزة نحو 370 كيلومترًا
بعد الإضاءة والشرح عن هذا الميناء ، نأتي للغوص في خباياه ، فكما بات معلوم للجميع ، ان الشيطان الأكبر او هذه الأفعى السامة ، لن تخدعنا ولو لبست بدل ثوب الملائكة الف ثوب ، وهي التي سرقت ارض وأبادت شعب بكامله من السكان الأصليين كي تبني امبراطوريتها اللعينة ، كما فعل ولا زال ابنها اللقيط ، فالإثنان ليسا سوى مرتزقة
“بالتالي لا يمكننا قراءة الحدث الا بشكل سلبي “
وكأي شيء نريد الغوص فيه يجب ان نبدأه بأسئلة تمهيدية ترافق هذه الرحلة
السؤال الاول : ما الدوافع المحتملة لإنشاء هذا الميناء ؟!؟
وكإجابة مبدأية ، هناك العديد منها
لعل الدافع الاول هو تحقيق رغبة سابقة ، ففي العودة الى تاريخ 22 يناير/ كانون الثاني الماضي ، التقى وزير الخارجية الصهيوني “إسرائيل كاتس” بمجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل ، وقدّم لهم مشروعين :
-الأول إنشاء خط سكة حديد يربط الكيان الصهيوني بالأردن والسعودية والبحرين والإمارات والهند
-والثاني إنشاء جزيرة اصطناعية على ساحل قطاع غزة ، مع مطار وميناء ومنطقة صناعية ومحطة تحلية ، لكي يتم استيعاب الشعب الفلسطيني فيها لحين إعادة تأهيل قطاع غزة ، وهو المشروع نفسه الذي قدمه كاتس عام 2017 لرئيس وزرائه نتنياهو في حكومته السابقة التي كان فيها وزيرًا للمواصلات ، وقد لاقى حينها قبولًا واسعًا من نتنياهو وحكومته
في حينها عارض مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي “جوزيب بوريل” مقترح وزير الاحتلال كاتس ، الا انه اليوم لاقى استحسان كبير ازاء اقتراح بايدن حول إنشاء الرصيف العائم في غزة
الدافع الثاني هو الأكثر ثِقلاً وأهمية ، التخلص من المقاومة الاسلامية حماس
ففي إحدى الإتصالات التي اجراها بايدن مع نتنياهو من قبل ، أكد مع الأخير على”ضرورة هزيمة حماس في غزة ، مع القيام في الوقت نفسه بحماية المدنيين وتيسير تسليم المساعدات” وهذا ما أوضحه مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سوليفان إذ صرّح ، [أن الولايات المتحدة لن تسمح لحركة حماس بأن تجد ملاذًا آمنًا في رفح ، وأن هناك خبراء عسكريين وأمنيين وإنسانيين من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني سيجتمعون لوضع خطط بديلة للهجوم على رفح تضمن تحقيق الهدفين معًا « هدف القضاء على حماس وهدف المحافظة على المدنيين» لأنهم باتوا على يقين تام ان صورتهم قد اكلها الخزي والعار امام الرأي العالمي ، فلم يعد هناك مجال لتلميعها
نأتي الى الدافع الثالث ، وهو هزيمة الكيان التي باتت حتمية ووشيكة ، والمعضلة التي تشغل الولايات المتحدة والدول الغربية ليست النتائج الإنسانية للحرب ، وإنما فشل الكيان الصهيوني في تحقيق اي انجاز يُذكر ، وهذا يعني ضرورة مساعدته على تحقيق انتصار عسكري واضح وعاجل ، يطفئ قليلاً من غضب الشارع ، ويحدّ من الهجرة المعاكسة ، كما يعيد هيبته الإقليمية والدولية التي مرّغتها المقاومة الفلسطينية ، وحاذت على جميع مشاهد التعاطف لصالحها
من الناحية اللوجستية لا اعتقد انه سيكون هناك تأثيرًا كبيرًا لهذا الرصيف ، الا اذا كان هناك طرق ملتوية ، كدعم جيش الكيان الصهيوني ميدانيًا ، ومساعدته على تحقيق الانتصار على حماس ، عن طريق القوات التي سترافق عملية إنشاء الرصيف العائم ، والبالغ عددهم في المرحلة الأولى زُهاء 1000 جندي ، ولا يجب ان ننسى ان اميركا لها خبرة سابقة مع انفاق فيتنام رغم هزيمتها المرة ، ومع دخولها تحت هذا الغطاء ستصبح بكل تأكيد هي صاحبة الكلمة الفعلية على الارض ، وأيضًا ليس من المستبعد أن يضم هذا العدد كوادر أمنية واستخباراتية وعسكرية وإدارية تعمل على اختراق المجتمع الفلسطيني ، وإضعاف الالتفاف الشعبي حول المقاومة ، وخاصة بعد إظهار نيتها في تسليح فئة “مُحايدة” من ابناء القطاع بحسب ما ذكرت المعلومات بُغية توليهم عملية الإشراف على توزيع المساعدات ، ناهيك عن مخطط نقل النازحين إلى الجزر الإنسانية ، وعزلهم عن الحياة اليومية الحالية بهدف تخفيف المعاناة عنهم ، في حال نفذ نتنياهو ما يتوعد به من هجوم حتمي على رفح كما يزعم الجانب الاميركي
وهنا يمكننا قراءة هذه الخطوة على انها “تهيئة الظرف” للترانسفير او للهجرة الطوعية ، وخاصة للنازحين المتواجدين في الجزر الإنسانية ، بتشجيع من الأمم المتحدة ، فضلاً عن تسهيلات من الدول الغربية ، ما سيُنتج عن ذلك ضغط على حركة حماس ، وسلبها ورقة التأييد الشعبي الكبير الذي ازداد بعد طوفان الأقصى ، وعلى ما يبدو أن إدخال قبرص على خط النقل البحري لم يكن بريء بل جاء ليخدم غرض الهجرة الطوعية ، وبذلك تصبح ساحة المعركة مقتصرة على جيش العدو بمساندة الاميركي وكتائب المقاومة الفلسطينية
ختامًا ، قد يرى البعض ان ما أتينا على ذكره هو بمثابة نظرة تشائمية ، لكن العقل والمنطق يقولان ان لو كان الشيطان الأكبر يريد حقًا المساعدة لكان امر الكيان بوقف هذا التطهير العرقي الذي يحصل على مرأى العالم اجمع ، أو اقله ايقاف المساعدات التي يمنحها للكيان ، لا ان يمنحه المزيد كما الضوء الأخضر لدخول رفح التي تضم اكثر من زُهاء المليون ونصف مواطن بريء
إن الافعى الاميركية التي لا تقلّ عن اللقيط الإسرائيلي بشيء من التعنت والاجرام والكذب والسرقة ، بل تُضاهيه بذلك ، لها مآرب في هذه المنطقة من نفط وغاز وطريق اقتصادي ، لن تتخلى عنهم ، لكن الأرعن من لا يتعلم من ماضيه ، لطالما كانت غزة مقبرة الغزاة وعصيّة على الانكسار ، فأنى لأميركا التي لملمت هزائمها السابقة والتي كان آخرها في العراق وافغانستان ، ان تنتصر على ابطال وليوث غزة ، ( فلكل منهما ماضٍ يُحدّث عنهما ) هذه المقاومة الباسلة التي ولدت من رحم الحصار ، لهيَ اقوى واشرف مقاومة عرفها التاريخ الماضي والحديث معًا ، وان كانت الافعى الاميركية تظن ان ارتدائها غطاء المساعدات الانسانية سيمنع المقاومة من التصدي للرصيف ، ان لزم الامر فهي مخطئة كعادتها ، وان ظنت ان المقاومة الفلسطينية قد فرغت جعبتها من العتاد والعدة فهي في قمة الخطأ ، فلقد ألآن الله الحديد لرجاله بعد ان لمس صدقهم واخلاصهم ، وألهمَهُم لِعد العُدة ووعدهم بنصرٍ عظيم ، والله لا يُخلف وعده … وكفى به وليٌ ونصير
2024-04-29