الشرع يبحث عن شرعية!
اضحوي جفال محمد*
مرت على العرب مرحلة في النصف الثاني من القرن الماضي لا يهتم فيها الانقلابيون بغطاء شرعي لمزاولتهم الحكم. يكفيهم تضمين البيان رقم واحد اتهامات لمن سبقهم بالتواطؤ مع الاستعمار والتفريط بقضية فلسطين، فيصبح ذلك سردية لا تكف عنها الاذاعة حتى سقوط آخر على يد انقلابي جديد. فلما بدأت الفواصل تتسع بين انقلاب وآخر شعروا بالحاجة الى شكليات ديمقراطية بانتخابات صورية لبرلمان او رئيس. وهناك بلدان غنية بالطبيعة اغناها الرفاه الشعبي عن الحاجة الى شرعية دستورية كما هو الحال مع بعض الخليجيين وقد فكر بعضهم بممارسة انتخابات شكلية كحاجة كمالية يتم التراجع عنها حسب المزاج. وعلى طول الخط تمثل الآيديولوجيا الدينية لمن اتّبعوها مغنياً عن هذا الصداع المزعج.
الان لدينا في سوريا حالة متفردة بأمسّ الحاجة الى شرعية تستند عليها في ممارسة الحكم. فالحكام لا يستطيعون رفع الشعار الديني وحده كبديل عن الشرعية الانتخابية، ولا يملكون تقديم مكاسب اقتصادية ليسكتوا بها الافواه الجائعة، ولا يستطيعون اطلاق الحريات كمشروع لا يتطلب تمويلاً مالياً، ولا هم السلطة الوحيدة في البلاد التي تستلم بلداً موحداً كما كانت الانقلابات، ولا يثقون بنتيجة انتخابات يراقبها العالم ليحكّموها بين الناس ويستمدوا منها سند الحكم. ولأن الاضواء والعقوبات وانظار العالم موجهة اليهم وجدوا انفسهم في مأزق خطير.
لا يتهرب من الانتخابات الا الذي يعتقد انه لن يفوز. هكذا امتنع محمود عباس عن اجراء انتخابات منذ عشرين عاماً ليقينه بأنها ستخرجه من السلطة، وهكذا فضّل حاكما السودان الحرب على الديمقراطية ضناً بالحكم. بينما سارع اخوان مصر الى صناديق الاقتراع بعد انتصار الثورة ليقينهم بالفوز. ولو اعتقد حكام سوريا الحاليون انهم سينجحون بالانتخابات لضربوا لها أجلاً معقولاً واقتحموها، الا انهم غير واثقين فهربوا الى امام.
المطروح الان مؤتمر للحوار الوطني يشبه عملية الهاء النار بالحطب.. قد يأتي بخلاف المأمول منه. المأمول هو الهاء الناس عن مطلب الانتخابات بضجيج التحضير لها، لكنه باعتقادي سيعجّل بتفجير التناقضات في وقت مبكر. وسترون.
( اضحوي _ 2005 )
2025-01-05