السم فى الجسد!
مهدى مصطفى
تجمعت الغيوم وسقطت أمطار سامة على المنطقة العربية منذ عام 2011، إذا كانت حرب يونيو 67 هزيمة مسروقة فى غفلة، فإن سموم 2011 كانت أصعب وأخطر، صنعت ببطء، دخلت الجسد، وانتشرت فيه سنوات، يونيو غدرت بالأطراف ست سنوات، ثم عادت إلينا بعد نصر أكتوبر 73، أما يناير فغدرت بالقلب، وما زالت آثارها فى بنية المجتمع، الأولى جاءت من خارج الحدود، أما الثانية ففتحت الأبواب أمام قوى وشبكات عبرت من الداخل.
اختاروا عناصر بعناية، دفعوها إلى الشوارع بشعارات تبدو حقيقية: الحرية، والعدالة، والمساواة، كلمات جميلة ومغرية، استغلوا أخطاء حقيقية، ضخموها، وجعلوها الحقيقة الوحيدة، ثم بدأت الشبكات تعمل.
تكشف الوثائق عن منظمات عبرت الحدود، وتلقى بعضها تمويلا وتدريبا ودعما من مؤسسات ومراكز خارجية قبل 2011 وبعدها، وتكشف وثائق أمريكية رسمية أن واشنطن خصصت بعد يناير 65 مليون دولار لبرامج الديمقراطية والحكم الرشيد، ونفذت منظمات أمريكية مثل فريدوم هاوس، والمعهد الجمهورى الدولي، والمعهد الديمقراطى الوطنى، والمركز الدولى للصحفيين برامج ممولة أمريكيا، ثم انفجرت أزمة التمويل الأجنبى، داهمت الدولة المصرية مكاتب هذه المنظمات فى ديسمبر 2011، وجرت محاكمات، وبقيت القضية فى الذاكرة.
وفى دراسة لجامعة كمبردج البريطانية تظهر دور وسائل التواصل الاجتماعى فى التجنيد والتنسيق والحشد، تقول: لم يعد الشارع وحده ساحة المعركة، دخلت شبكات أخرى، حملت معها المال والعلاقات والأدوات والخبرة، وانتقل المشهد من الاحتجاج إلى التعبئة، ومن التعبئة إلى الصراع، ومن الصراع إلى الحرب.
سوريا، وكذلك ليبيا، واليمن، والسودان، قدمت جميعا واحدة من أوضح ساحات هذا التحول، بدأ الأمر باحتجاجات، ثم دخل السلاح والمال والمقاتلون من خارج الحدود، اتسعت الحرب، دخلت دول وجماعات وقوى مختلفة، وتحولت البلاد إلى ساحة صراع إقليمى ودولي، وهكذا تغيرت اللعبة، ولم تعد الحرب تبدأ دائما بدبابة تعبر الحدود، قد تبدأ بصورة، أو بفيديو، أو بشعار، أو بمنصة، أو بشخص مجهول يظهر فجأة، ثم يصبح نجما، ثم يصبح مصدرا للرواية، ومع الوقت تتحول الرواية إلى حقيقة فى عقول الناس.
هذه هى الخديعة، فى كل حرب تظهر وجوه جديدة، تصعد بسرعة، تحتل الشاشات، تتحدث باسم الناس، ثم تختفى عندما يتغير المشهد، أو تنتقل إلى حرب أخرى، أو تظهر فى بلد آخر بشعار جديد، تغيرت الأسماء، وتغيرت الخرائط، تغيرت الأدوات، لكن الشبكات بقيت، وأصبحت المعركة أكبر من بندقية وصاروخ، أصبحت معركة على العقل والمخيلة والرواية.
يضخمون حادثة صغيرة، يحولونها إلى قصة كبيرة، يصنعون من شخص نجما، ومن شعار حقيقة، ومن كذبة مسلمة، ثم تبدأ حرب لا تتوقف، بعض السموم تختفى حينا، تكمن، تنتظر، ثم تظهر من جديد، اسم آخر، شعار آخر، منصة أخرى.
والخلية لا تحتاج دائما إلى غرفة مغلقة، يكفيها شبكة، وبعض المال، وإعلام، وجمهور غاضب، ويكفيها أن يجد الناس أنفسهم مرة أخرى أمام الشعار نفسه، والخديعة نفسها، والوجوه نفسها، من دون أن يسألوا السؤال البسيط: من أين جاءت هذه الوجوه، ومن أين جاءت قوتها، ومن يقف خلفها، وإلى أين تقودنا؟
2026-10-01