السلام والقوة: تحليل المقاربات الفكرية!
مهيب صدوق
السلام ليس مجرد اتفاق أو توقيع على ورق، بل هو انعكاس عميق لرؤية الإنسان للعالم وللعلاقات بين الشعوب. في هذا السياق، نجد أن العقل الصهيوني يرى الصراع جزءًا طبيعيًا من حركة التاريخ، وأن القوة هي اللغة الأساسية التي يفهمها الجميع. السلام عند هذا العقل ليس حالة طبيعية، بل مرحلة مؤقتة لإدارة التناقضات، وسيلة لاستراحة تكتيكية قبل العودة إلى أدوات القوة الأكثر صرامة لإعادة ترتيب الموازين. أما العقل العربي، فينظر إلى السلام كخيار ممكن ومستدام، يرى أن التفاهم والتوازن هما طريق الاستقرار والتطور، وأن الصلح ليس مؤقتًا بل خيارًا يمكن أن يُبنى عليه مستقبل أفضل.
ما يميز العقل الذي يراهن على القوة هو اعتقاده بأن العالم لا يُدار إلا من موقع السيطرة، وأن أي مؤشر على نمو الآخرين أو استقلالهم يشكل تهديدًا يجب مواجهته بحزم. القوة ليست وسيلة فقط، بل معيار للحقيقة والوجود، ومن يملكها يفرض قواعد اللعبة ويعيد صياغة الواقع. في المقابل، العقل العربي يرى أن الحوار، والصلح، والتنازل، أدوات متساوية الأهمية، وأن التفاهم يمكن أن يكون قوة بحد ذاته، إذا أُحسن استخدامه في إدارة العلاقات بين الأفراد والمجتمعات.
الاختلاف الجوهري بين هذين العقلين يمتد إلى قراءة التاريخ. العقل الصهيوني يقرأ الماضي من منظور القوة والصراع، مستفيدًا من تجارب القوى السابقة لتجنب ظهور منافس قد يهدد تفوقه. أما العقل العربي، فهو يقرأ التاريخ بعين التجربة اليومية والمرونة الإنسانية، مؤمنًا بأن السلام والتوافق يمكن أن يولدا مجتمعات مستقرة، وأن حسن النية والمبادرة يمكن أن يؤسسا لعلاقات طويلة الأمد، حتى لو تعثرت مرات عديدة.
وفي العلاقات اليومية، يظهر التباين بوضوح. العقل العربي يميل إلى الربط بين السلوك الفردي والاجتماعي والسياسي، معتبرًا أن ما يصلح في العلاقة بين الأفراد يمكن تطبيقه على المجتمع ككل. لكن الواقع الدولي يفرض قواعد مختلفة؛ فالقوة والمصلحة والهيمنة غالبًا هي المحددات الأساسية، مما يجعل المبادرات العربية نحو السلام أحيانًا عرضة لسوء الفهم أو الاستغلال من قبل من يراهن على القوة كمعيار وحيد.
أمثلة هذا التباين تتجلى في التعامل مع المبادرات التحالفية أو الاقتصادية والثقافية. فالعقل العربي يرى التعاون وسيلة للتقارب وبناء الثقة، بينما يقرأ العقل الصهيوني هذه المبادرات ضمن ميزان القوة والتأثير، وليس في ميزان النوايا الطيبة. أي خطوة نحو الاستقرار تُقاس عنده بمدى تأثيرها على التوازن الاستراتيجي، وليس بصدق المبادرة أو روحها الإنسانية.
تتضح هذه الديناميكية أيضًا في تجربة الحركات الفلسطينية المختلفة. بعض الحركات التي آمنت بالسلام وراهنّت على التفاوض وحققت بعض الانجازات الرمزية، وجدت نفسها أمام موجات من الحصار، التدمير، والإضعاف المستمر، إذ لم تُقابل مبادرتها بالاعتراف أو الاحترام، بل بالضغط والإقصاء. أما من اتخذ طريق القوة والمقاومة المباشرة، فشعر في مراحل معينة بالاعتزاز والتمكين، حاملاً راية الكرامة والفخر، مؤكدًا أن القوة كانت عنصرًا ملموسًا لتحقيق التأثير والوجود، ولو كانت تكلفة ذلك صعبة ومؤلمة. هذان المساران يعكسان بوضوح الفارق بين من يراهن على السلام كخيار إنساني، ومن يراهن على القوة كمعيار للوجود والتأثير.
هذا الاختلاف يمتد إلى تصور الزمن والتخطيط. العقل الصهيوني طويل المدى، تخطط استراتيجياته بعناية وتأخذ بالاعتبار كل الاحتمالات الممكنة للصراع والتحولات المستقبلية. بينما العقل العربي غالبًا قصير المدى، يركز على ما يمكن تحقيقه بسرعة وتجربة اليوم، مع افتراض أن حسن النية كافٍ لبناء علاقات مستدامة، وهو ما يضعه أحيانًا في مواجهة مفاجآت قاسية على المستوى الاستراتيجي.
النتيجة أن الفارق بين العقلين ليس مجرد مسألة تكتيكية أو سياسية، بل انعكاس لطبيعة التفكير والثقافة والفلسفة التي تحكمهما. العربي يرى السلام كخيار إنساني مستدام، يتأسس على التفاهم والعدل والمبادرة الصادقة، بينما يرى العقل الآخر السلام أداة لإدارة القوة والحفاظ على التفوق الاستراتيجي. هذا التباين يفسر هشاشة أي اتفاق طويل المدى، ويؤكد أن السلام الحقيقي يتطلب أكثر من توقيع أو اتفاق، بل فهمًا عميقًا لمفهوم القوة وللسياسة والفكر الذي يحرك الأطراف.
وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا: هل يمكن أن يتحقق السلام حقًا إذا لم يرافقه الوعي بالقوة، وإذا لم يقرأ كل طرف نية الآخر بذكاء؟ الجواب ربما يكمن في قدرة الإنسان على المزج بين العقل والقلب، بين القوة والحكمة، بين الحذر والنوايا الصافية، ليصنع عالمًا لا يهيمن فيه الصراع على كل شيء، ولا يُترك فيه السلام مجرد حلم عابر بين الاتفاقيات والتفاهمات.
2025-11-01