السلام الأميركي في العراق: انقلاب وغزو واحتلال!
لا ينبغي أن تبدأ دراسة مأساة العراق المعاصرة، كما في أغلب التقييمات التي تركز على الحربين في عامي 1991 و2003، وما ترتب عليهما من عقوبات قاسية، بل ينبغي أن ننظر إلى دوامة الأحداث التي بدأت عام 1963.
مازن النجار*
في تقديمه كتاب جاكلين إسماعيل وطارق إسماعيل وليزلي ماكدونالد “السلام الأميركي: حرب أميركا الأبدية على العراق”، الصادر مؤخراً عن Palgrave Macmillan، يُذكّر البروفيسور ريتشارد فولك، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في جامعتي برنستون وكاليفورنيا ومقرر الأمم المتحدة السابق لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، بفشل حكومة الولايات المتحدة في استخدام دبلوماسيتها لإنهاء حرب أوكرانيا، واستمرار مشروعها لتحقيق نصر جيوسياسي على روسيا على حساب شعبي أوكرانيا وروسيا، ويذكر باستمرار التواطؤ الأميركي النشط مع الإبادة الإسرائيلية لشعب فلسطين في غزة والضفة الغربية.
هذا الكتاب تذكير قاتم بسابقة حرب أميركا على العراق، إذ تبنت الولايات المتحدة علناً مساراً إجرامياً في غزوها واحتلالها الطويل للعراق بدءاً من عدوان “الصدمة والترويع” غير المبرر، وبلغ ذروته في مشروع “بناء الدولة” الذي جلب بدوره تنظيم داعش إلى المنطقة. إنه فشل جيوسياسي هائل على مدى أكثر من عقد من الاحتلال و”بناء الدولة” المزعوم بالعراق، تم تصويره ببراعة، مذكراً بحرب العراق وعواقبها المروعة، وملقياً الضوء على النفي الحالي لأدنى معايير اللياقة في سياق التفاعل البشري.
بكثير من البصيرة والمعرفة والحكمة، يقدم هذا الكتاب القصة المعقدة لدور أميركا في العراق، فيما يجد فولك نفسه مسكوناً بسؤال معرفي بسيط: لماذا ترفض أميركا كأمة وشعب وجنس أن تتعلم من الإخفاقات المأساوية الماضية؟
رؤية إمبريالية
تأتي الإشارات مؤخراً إلى حرب أميركا على العراق (2003) في الغرب غالباً من مصادر سياسية مناهضة للحرب، وعازمة على التذكير الصارم بأنّ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 كان متوقعاً -في أكثر سماته إثارة للاعتراض- من خلال غزو أميركي بريطاني أعقبه احتلال طويل مثير للجدل للعراق، فيما يحاول التيار الرئيس في الغرب محو تجربة أميركا من الذاكرة الجماعية.
إن الذين يستشهدون بالعراق كسابقة ذات صلة بأوكرانيا يقدمون نقداً مبرراً للطبيعة الإمبريالية للسياسة الخارجية الأميركية التي تَسخَر من نداءات القانون الدولي الصريحة وميثاق الأمم المتحدة وتسخرها لحشد المعارضة الدولية لروسيا فقط، في حين تُعبئ الدعم العالمي للعقوبات وشحنات الأسلحة والتبرعات الضخمة والمساعدات الاقتصادية لكييف.
إن تبني مثل هذه الرؤية الإمبريالية المجرّدة وغير التاريخية والمتمركزة أوروبياً، مهما كانت مفيدة، يأتي بثمن باهظ! فالعراق يفقد حقيقته الأساسية كدولة يسكنها أناس تحملوا محن الطغيان والحرب والتدخل الأجنبي والاحتلال المُطوّل.
إن رفض الولايات المتحدة ممارسة ما تبشر به عندما تتعامل مع الجنوب العالمي، وخصوصاً في بلدان الشرق الأوسط، تأكد بوضوح من خلال تواطؤها في هجوم الإبادة الإسرائيلية على غزة، ويظل سابقة مهمة تتعلق بالنقاش السياسي حول أوكرانيا، لكنه بعيد جداً عن سرد القصة الكاملة لمحنة العراق وتاريخه الحديث المحزن على مدى عقود مديدة، وبلغت ذروتها مع حرب 2003 العدوانية.
إن وضع الحرب في سياقها التاريخي ورفض محو تأثيرها الرهيب في السكان والحياة المدنية بالعراق من الوعي السياسي يجعل من هذا العمل لائحة اتهام قوية للسياسة الخارجية الأميركية. إن الفهم الذي يكتسبه هذا التحليل أعمق كثيراً من التقييمات السطحية التي تستند إلى نموذج بسيط من “الغزو والاحتلال”. يدمج هذا العمل بشكل قيم بين الاهتمامات السياسية والاقتصادية والاهتمام الجاد بالأبعاد الاجتماعية والأخلاقية والدينية وحتى الفنية والفلسفية لتراث العراق الثقافي الاستثنائي. هذا التراث هو الذي تحطم بسبب التدخل الأميركي في العراق في سياق تفتيت الوحدة السياسية والثقافية للشعب العراقي.
البداية الحقيقية
تمكن هذا الكتاب القصير ولكن العميق من النظر في الكوارث التي حلت بالعراق والسلوك المربك والشرير المتضمن في هذا النمط من الاستخدام الأميركي المختل للقوة الصلبة والناعمة على مدى ستة عقود، ووضع التكتيكات والاستراتيجيات الجيوسياسية الأميركية في سياقها الصحيح بطريقة تلقي الضوء على مجموعة من القضايا المعاصرة الأخرى المثيرة للقلق في مختلف أنحاء العالم.
نجح المؤلفون في تفسير التفاعل بين طموحات الهيمنة العالمية والإقليمية الأميركية بطرق تفضي إلى سرد متعمق للأحداث المأساوية التي دمرت العراق، وامتدت عبر حدوده لتسبب أشكالاً مماثلة من الضيق في أماكن أخرى من المنطقة. وتظهر الترابطات بين مصير العراق ومصير الشرق الأوسط ككل، ونقف على رواية مستنيرة عن الأسباب التي تجعلنا لا نتصور تأثيرات الأجندة الإمبريالية الأميركية باعتبارها مجرد عدوان يتبعه احتلال مخصص لمشاريع (حميدة) لـ”بناء الدولة”، والتي تتظاهر بالسعي إلى الحكم الدستوري والدينامية التنموية.
لا ينبغي أن تبدأ دراسة مأساة العراق المعاصرة، كما في أغلب التقييمات التي تركز على الحربين في عامي 1991 و2003، وما ترتب عليهما من عقوبات قاسية وعواقب فوضوية، بل ينبغي أن ننظر إلى دوامة الأحداث التي بدأت عام 1963.
إن نقطة البداية الحقيقية، والتي تم تجاهلها أو قمعها غالباً، هي الانقلاب الذي سهلته وكالة المخابرات المركزية الأميركية عام 1963، والذي أسقط حكومة عبد الكريم قاسم القومية، وجاء بقيادة حزب البعث الدكتاتوري القمعي، وآلت رئاسته في النهاية إلى صدام حسين.
وكالة الاستخبارات المركزية
إنَّ التاريخ الشخصي لأحد مؤلفي الكتاب، طارق إسماعيل، في العيش بالمنفى منذ هذا الانقلاب والندوب التي خلفتها أحداث مضى عليها 6 عقود، والتي بلغت ذروتها في اعتقال ومذبحة ما لا يقل عن 5000 مثقف وناشط سياسي تقدمي عراقي، يضفي أصالة وأهمية على هذه الأحداث التي لا يكاد يتذكرها أهل الاختصاص، ناهيك بالرأي العام.
يُذكّر انقلاب البعث في العراق عام 1963 بانقلاب 1953 في إيران، والذي أطاح حكومة مُصدّق بمساعدة وتشجيع وتدبير سري من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، إذ سبق انقلاب إيران في العديد من تفاصيله انقلاب العراق الذي وقع بعد 10 سنوات. ففي إيران، أعيد الشاه إلى عرش الطاووس، والأهم من ذلك، أعيدت المِلكية الأجنبية لصناعة النفط الإيرانية، واستفادت شركات الطاقة الأميركية الكبرى من هذا الانقلاب.
تم إخفاء الطابع الحقيقي لهذه الأحداث في كلتا الدولتين الرئيسيتين المنتجتين للنفط بورقة توت من مبررات راجت في فترة الحرب الباردة آنذاك وزعمت إنقاذ هذه الدول من السيطرة الشيوعية من خلال تهميش وتشويه سمعة النفوذ السوفياتي الماركسي الاشتراكي المفترض أن يُقوّض المصالح الاستراتيجية الغربية بالشرق الأوسط، فضلاً عن تهديد هذه الدول بمستقبل ستاليني.
قللت الدعاية الحكومية التي نشرها الإعلام الغربي الخاضع أيديولوجياً من أهمية الدافع الاستراتيجي الحقيقي وراء هذه الأحداث السياسية التخريبية، والذي كان يتلخص في إبقاء احتياطيات الطاقة بالمنطقة تحت السيطرة الغربية (الآمنة) مع تكليف صناعة النفط الأميركية بالمسؤولية عنها.
وهكذا، تم تجاهل حقوق الدولة السيادية في تقرير المصير، وعانت الشعوب نتيجة لذلك، كما تم تجاهل الادعاءات بأن النتائج تعكس تحركات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وليس ثورة القوى القومية. وبعد سنوات فقط، تم تأكيد الدور الفعّال لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية على نطاق واسع. وقد صور المنطق العام الأولي تلك الأحداث رفضاً داخلياً مناهضاً للشيوعية أو لقادة هستيريين أو طغاة، وللحديث بقية.
2024-09-05
حينما يكون العراق المحطة الخارجية الاولى للرئيس الإيراني الجديد
عادل الجبوري
أعلنت أوساط سياسية وإعلامية حكومية وغير حكومية ايرانية، أن الرئيس الجديد مسعود بزشكيان، سيزور العراق منتصف شهر ايلول- سبتمبر الجاري، تلبية لدعوة رسمية تلقاها من رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.
وستكون هذه الزيارة في حال تحققت، المحطة الخارجية الاولى للرئيس بزشكيان بعد توليه المنصب ونيل حكومته ثقة مجلس الشورى الإسلامي الإيراني(البرلمان).
ولاشك ان ذلك ينطوي على دلالات مهمة، ويؤشر الى حقائق جوهرية، حول رؤية طهران للعلاقات العراقية-الايرانية، بصرف النظر عن هوية من يشغل منصب الرئيس في ايران، وبصرف النظر عن الكثير من التجاذبات والمشاكل والازمات في المشهد السياسي العراقي العام. بتعبير اخر، تولي طهران اهمية كبيرة جدا لبغداد، مثلما تولي الاخيرة ذات الاهمية لطهران، لاعتبارات ودواع واسباب مختلفة.
وفي الثامن من شهر تموز-يوليو الماضي، وبعد اعلان فوزه بالانتخابات، قال بزشكيان خلال اتصال هاتفي مع الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد، “اننا نولي أهمية كبيرة لبلد العراق العظيم، وان البلدين-يقصد العراق وايران-لديهما وجهات نظر ومواقف مشتركة في العديد من المجالات، وهو ما يناسب تعميق العلاقات وتطوير التعاون”. ولعل هذه اشارة واضحة من الرئيس الايراني الجديد على حرصه لادامة وتعزيز العلاقات والروابط مع البلدين الجارين في كل الجوانب والمجالات، بما ينسجم مع مصالح الطرفين، وبما يسهم في تعزيز الامن والسلام في المنطقة، وكذلك تقوية وترصين جبهة المقاومة، التي يعد كل من العراق وايران، اطرافا محورية ومؤثرة فيها.
ومن خلال تتبع مسيرة العلاقات العراقية-الايرانية على امتداد العشرين عاما المنصرمة، يمكن تحديد ثلاثة مستويات لهذه العلاقات، مستوى يتمثل بالتوافق والتفاهم والانسجام في الرؤى والمواقف والتوجهات في الاطار العام الشامل، رغم وجود العراقيل والمعوقات من هنا وهناك، وقد برز ذلك واضحا على صعيد التعاون والتنسيق في محاربة الارهاب، سواء تنظيم القاعدة او تنظيم داعش، اذ ان دور ايران في مساعدة العراق بهذا الجانب، كان محوريا وحاسما في كثير من الاحيان، وهذا ما اقر به الساسة والمسؤولين العراقيين قبل الايرانيين.
اما المستوى الاخر، فيتمثل بوجود عقد واشكاليات الى جانب التوافقات والتفاهمات، وهذا نجده فيما يتعلق بالملفات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وتلك العقد والاشكاليات غالبا ما يكون طابعها فني، وان كانت بعض دوافعها ومحركاتها سياسية، وهذه لاتؤثر في الثوابت والمباديء التي تستند اليها، ويتحرك على ضوئها ايقاع العلاقات بين بغداد وطهران، كما هو الحال مع ملف تصدير الغاز الايراني للعراق واستحقاقاته المالية المتلكئة في اغلب الاحيان. في حين يتمثل المستوى الثالث، بقضايا خلافية عالقة تعود جذورها الى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ترتبط بترسيم الحدود وتعويضات الحرب(1980-1988)، ومصير ما تبقى من الاسرى والمفقودين من الطرفين، فضلا عن مشكلة الحصص المائية في الانهار المشتركة.
وبالرغم من عدم حسم ملفات المستوى الثالث، الا انها في واقع الحال، لم تشكل عائقا حقيقيا امام استثمار الفرص والافاق المتاحة لتحقيق اكبر قدر من المنفعة لكلا الطرفين، فحجم المبادلات التجارية السنوية، الذي تجاوز العشرة مليارات دولار خلال الاعوام القلائل الماضية، بحسب مصادر رسمية وغير رسمية، وازدهار السياحة الدينية والطبيعية، وتنامي التعاون في قطاعات البناء والاعمار والصحة والتعليم، كل ذلك وغيره، يؤشر الى ان كل من طهران وبغداد تدركان اهمية التركيز على نقاط الالتقاء اكثر من التوقف كثيرا عند نقاط الافتراق.
وهنا فأن حكومة بزشكيان، لابد ان تحرص على عدم التفريط بما هو متحقق من مكاسب وانجازات في مسيرة العلاقات مع بغداد، وهذا ما اشار اليه الرئيس بزشكيان، وكذلك ما اشار اليه الرئيس الراحل السيد ابراهيم رئيسي بعد توليه المنصب في منتصف عام 2021، وما شدد عليه رؤساء ايران السابقين.
في مقابل ذلك، فأن اصحاب القرار في بغداد، ينظرون بعين الاهمية الى ادامة وتعزيز العلاقات مع طهران، وخلال زيارته للاخيرة في شهر كانون الاول-ديسمبر من عام 2022، اكد محمد شياع السوداني، ” أن العراق لا ينسى دعم إيران له منذ عام 2003 ومحاربة عصابات “داعش” الإرهابية، وأن الزيارات واللقاءات ضرورية للدفع بتفعيل النشاطات في جميع المجالات”. وثمن السوداني في حينه “موقف إيران الداعم للعراق في إمدادات الغاز”.
ولاشك ان الملفات التي سوف يبحثها ويناقشها الرئيس بزشكيان مع كبار المسؤولين العراقيين، هي ذاتها التي دوما ما كانت حاضرة على طاولة الحوار العراقي-الايراني، على كل الصعد والمستويات، وفي كل الجوانب والمجالات.
فهناك المصالح الاقتصادية المشتركة والمتبادلة، وهناك التحديات الامنية، وهناك زيارة الاربعين وما ينبغي على البلدين فعله والتنسيق بشأنه لتحقيق المزيد من النجاحات فيها، وهناك المواقف السياسية المتطابقة حيال جملة من القضايا والشؤون الاقليمية والدولية، لعل في مقدمتها دعم القضية الفلسطينية ومؤازة الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الكيان الصهيوني الغاصب، فضلا عن السعي لانهاء الوجود الاميركي في العراق.
الى جانب ذلك، فإن بغداد اضطلعت بدور ايجابي فاعل في حلحلة الازمات بين طهران واطراف اقليمية ودولية، علما انها، خلال الاعوام الثلاثة او الاربعة الماضية، تحركت بهذا الاتجاه، ونجحت في جمع ممثلين عن الحكومتين الايرانية والسعودية حول طاولة واحدة، وسط ترحيب وارتياح من طهران والرياض. ولاشك ان انفراج الازمات وحلحلة المشاكل بين هذين الخصمين التقليديين، كان له انعكاس ايجابي ملموس على مجمل الوضع العراقي واوضاع المنطقة.
وكلما كانت علاقات بغداد وطهران راسخة، ومساراتها محددة وواضحة، وطبيعتها استراتيجية عميقة، كلما انعكس ذلك ايجابيا على مجمل الحراك في الفضائين الاقليمي والدولي، وبالتالي، حلحلة الكثير من العقد والاشكاليات.
سيأتي الرئيس بزشكيان الى بغداد، والعلاقات العراقية-الايرانية تكون قد تجاوزت نطاق الدوائر السياسية والدبلوماسية الخاصة، والمساحات الاقتصادية والمالية المحصورة في نطاق الشركات والمؤسسات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال، الى الفضاءات الاجتماعية والدينية والثقافية والاكاديمية المختلفة، وما مناسبة عظيمة مثل زيارة الاربعين الا مصداقا بارزا، أظهر البعد الشعبي ذي الافق الواسع للعلاقات بين الجانبين.
بعبارة اخرى سيأتي بزشكيان لاكمال طريق طويل قطع فيه الذين سبقوه اشواطا طويلة، ومحطات كثيرة، ومراحل عديدة.
*كاتب وصحافي عراقي
2024-09-05