السقوط الأخلاقي والميداني معا!

كتب ناجي صفا
سقطت اسرائيل اخلاقيا وميدنيا معا ، هي تعيش حالة تخبط وارباك لم تشهد لها مثيلا منذ تأسيس الكيان ، فشلت اسرائيل ميدانيا في خان يونس وفي رفح وفي الشجاعية ومناطق اخرى، وبدأت تتكشف خسائرها الضخمة التي لم تعد تستطع اخفاءها .
خسرت اسرائيل في الميدان كما خسرت في الأخلاق ، وخسرت ايضا في الإعلام الذي جندته مع بداية المعركة ، لم يعد باستطاعتها قلب الصورة كما كانت تفعل سابقا ، العالم كله بدأ ينظر لهذا الكيان على انه دولة مجرمة وقاتلة للأطفال، وقد انهار الهرم الإعلامي الكبير الذي سوقته على انها واحة للديمقراطية والحضارة ، وعلى انها النموذج الذي ينبغي ان يسوق على انه المثال الذي ينبغي ان يعمم على عموم المنطقة . كذلك بات حلفاؤها الذي دعموها وغطوها على مدى ٧٥ عاما وسوقوها على انها النموذج الغربي في منطقة متخلفة بدأوا يبحثون عن مخرج للتبرأ منها بسبب عدم القدرة على تحمل حجم المجازر والمآسي الإنسانية التي ضاق بها الضمير العالمي .
الشريك الرئيسي الولايات المتحدة بدورها بدات تعيش ارباكا واحراجا امام العزلة التي بدأت تعانيها دوليا ، وبوجه رأي عام عالمي وداخلي تسرب لداخل حزب السلطة الذي احرجه مستوى الإجرام الذي مورس بحق الاطفال والنساء والمستشفيات والمرضى والاطباء وتدمير البنى التحتية والبيوت والمدارس والمساجد والمؤسسات المدنية .
الولايات المتحدة التي راهنت على قدرات اسرائيل، وبأنها تستطيع حسم المعركة خلال اسابيع باتت مربكة بدورها، ومحرجة امام الفشل الإستراتيجي للأهداف التي اعلنتها ولم تستطع تنفيذها او تنفيذ اي من بنود تلك الإستراتيجية .
العالم اجمع في مجلس الامن ( ١٣ صوتا) كما في الجمعية العامة للأمم المتحدة بحصيلة ١٥٣ دولة كلهم صوتوا ضد اسرائيل واشعروا الولايات المتحدة بانها معزولة .
تحاول الآن الولايات المتحدة الظهور بمظهر الراغب في النزول عن الشجرة، وتحاول ايجاد مخرجا يخفف من حراجتها الداخلية والخارجية في لحظة انتخابات يحتاج فيها بايدين الظهور بمظهر الباحث عن حل، بعد ان تأثرت شعبيته بما لم يكن يتوقع ، السقوط الاخلاقي الذي يعانيه بايدن جراء احتضانه الموقف الإسرائيلي بدا ينعكس ضده في الجامعات رغم محاولات الإستدراك التي مارستها ادارته وبلغت حد اقالة رؤساء جامعات وتهديد بعضها بوقف الدعم وتهديد الطلاب بمنع توظيفهم ، وبدأ ايضا ينعكس على مستوى الشارع والمواطن الاميركي بشكل عام بعد ان بلغت نسبة المعارضين لبايدن ٦٠ % بموجب الإستفتاءات والإحصاءات التي تجريها المعاهد والمؤسسات المتخصصة . نتنياهو الذي يمارس ايديولوجيته المتطرفة لم يأبه لحاجات بايدن الآنتخابية ومصالحة الإستراتيجية في المنطقة والعالم، يؤشر ذلك الى امكانية اتساع الشرخ بينه وبين نتنياهو الذي بدأت ملامحه بالظهور ، لإعتبارات مصلحية وليس اخلاقية وانسانية وانما لإعتبارات محض انتخابية .
نتنياهو رغم السقوط المريع اخلاقيا وميدانيا مستمر في تنفيذ ايديولوجيته الصهيونية المتطرفة من جهة ، واستنقاذا لنفسه من جهة اخرى .
صمود غزة اسقط رهانات نتنياهو كما اسقط رهانات الغرب الذي كان يتطلع الى حسم المعركة لصالح اسرائيل وبالتالي اعادة بسط هيمنته وتركيز استراتيجيته في المنطقة .
لقد قلبت حماس والمقاومة المعايير والمقاييس بصمودها وبإلحاق الخسائر الفادحة بالعدو وهذا ما سيترتب عليه معطيات وتوازنات جديدة على مستوى فلسطين والمنطقة والعالم . لقد بدأت الأصوات ترتفع نتيجة استعادة الوعي الجمعي للشعوب ، بدا الحديث عن ان فلسطين تحررنا ، وستحرر العالم بعد ان كرست تجربة قتالية ونضالية واخلاقية وسياسية لم يسبق ان شهد التاريخ لها مثالا، لا سيما بعد ان تحول كل مواطن الى مراسل على شبكات التواصل الإجتماعي وكشف زيف وكذب منظومات القيم التي طالما تغنى بها وقصفنا فيها الغرب على مدى عقود وقدم نفسه من خلالها على انه النموذج والمثال .
2023-12-15