الراية السوداء: نداء الاستغاثة الأخير!
بقلم: نضـال بن مصبـاح | ساحة التحرير
من لا يملك النصر… يختار له اسم جنازة.
هكذا فعلت “إسرائيل”.
أطلقت على عمليتها ضد اليمن اسم “الراية السوداء”…
وكأنّها نسيت أن الأسود في ثقافتنا ليس حدادًا… بل ثأر.
ليس نهاية… بل بداية.
في الحروب، الكلمات ليست زينة.
الاسم الأول هو البوصلة.
والراية السوداء ليست اسمًا لمعركة، بل لدفن الجنود.
فمَن الذي اختار هذا الاسم؟
الناطق العسكري؟ أم اللاوعي الجمعي لجيشٍ بدأ يتكسر من الداخل؟
لا شيء يختصر عمق الفزع الإسرائيلي مثل هذه التسمية.
فحين يختار الكيان السواد شعارًا،
فهو لا يهدّد… بل يودّع.
أطلقوا عليها “عملية الراية السوداء”…
لكن كل ما حدث بعدها كان أبيضًا:
صواريخ تُضيء سواد ليلهم،
ودفاعات جوية تُربك الحسابات،
وطائرة F15 نُشر بلاغ فقدانها… أو ركنت إلى ضيافة الجبال التي لا تخون.
اختفَت… حرفيًا.
من بين عشرين مقاتلة أقلعت صوب اليمن، رصدت الأقمار الصناعية 18، وعادت منها 17 فقط.
واحدة فُقدت،
أو اختارت أن تبقى حيث لا يُعاد الطارق إن طرق.
كل ما أرادته تل أبيب هو مشهد استعراضي:
تُظهر قبضتها الحديدية وتعيد صنعاء إلى “نظام الولاء والطاعة”،
أو إلى الحضن العربي المزعوم… ذاك الذي ارتمت فيه الأنظمة الخانعة،
وتحوّلت فيه العواصم إلى مكاتب ارتباط تُدار من تل أبيب.
لكن الطاعة ماتت منذ زمن. ولم تعد تحتاج إلى حضن أحد.
ومات معها الوهم بأن اليمن ساحة خلفية.
صنعاء اليوم لا تنتظر العاصفة… بل تصنعها.
ولا تطلق صواريخها لتُحذّر… بل لتُغيّر المعادلة.
في الثقافة العبرية، لا شيء اسمه “الراية السوداء” حرفيًا.
لكن في التلمود، تُذكر اللافتة السوداء كرمزٍ لحالة الطوارئ المطلقة:
حين يقترب السقوط،
حين تُستدعى آخر القوات،
حين يفهم القائد أن الرب قد غضب،
ولا مجال للفرار.
العدو نفسه وقع في فخ التسمية:
فما أعلنه بداية حملة،
تحوّل إلى صفارة النهاية.
لا يعرفون اليمن.
ولا يفهمون ذمار.
ولا يقرؤون عن جبال مرّان.
يتخيّلون أنهم أمام أرض فقيرة مشغولة بالماء والكهرباء،
بينما هناك، تحت التراب،
رجالٌ صنعوا الصواريخ،
وغرسوا الدفاعات،
وراقبوا السماء بصبر الجبال.
اليوم، حين يضرب الكيان،
فهو يرتجف أكثر مما يهاجم.
يضرب وهو يتلفّت:
هل ستعود الطائرات؟
هل ستصل الصواريخ؟
هل تبقّت له سماء؟
الذي فاجأهم ليس القصف… بل الدقة.
وليس الهجوم… بل التوقيت.
وليس الرد… بل المعنى:
أن اليمن، الذي أرادوه ساكنًا، دخل المعركة من باب المبادرة.
ثمّة شيء تغيّر…
لا شيء يُخيف الكيان أكثر من خصمٍ لا يخاف،
يكتب بيانه العسكري كما يكتب الشعر،
ويطلق صاروخه كما تُطلق القصيدة.
القوة تغيّرت.
الردع تغيّر.
وما بعد عملية “الراية السوداء” ليس كما قبلها.
الدفاعات الجوية اليمنية، التي سخر منها العالم يومًا،
أجبرت الطائرات على الانسحاب.
حرمتهم من سماء اليمن،
وتوقّفوا عند حدود النار.
في واشنطن، استلم نتنياهو التقرير،
نظر إليه بعين لا تبحث عن الحقيقة،
بل عن مَن يعلّق له الفشل على مشجب.
صرخ بوجه تومير:
“لا أريد أن أرى تقارير مثل هذه مرة أخرى”.
لكن التقارير القادمة ستكون أسوأ…
لأن اليمن لا ينتظر.
يصنع.
منذ متى كان بلدٌ محاصر، فقير، جائع، يربك أقمارهم الصناعية؟
منذ متى كان من يعيش على طحين الأمم المتحدة،
يُسقِط طائرة أمريكية الصنع،
بصاروخ يمني الصنع،
ويجعل سلاح الجو الصهيوني يؤجل كل شيء إلى إشعار آخر؟
في كل حرب، هناك من يصرخ أولًا،
وهناك من يضحك آخرًا.
والضحكة القادمة… من صنعاء.
واليمن لا يكتب البيانات… بل يصوغ المعارك بلون الأرض… ونبرة الدم.
وحدها صنعاء لا تنتظر بيانًا صحفيًّا ولا موافقة أممية،
بل تُمسك القلم بيد، والصاروخ بالأخرى.
كلّما رفعت “إسرائيل” راية، رفعت صنعاء جدارًا.
كلّما صرخوا “سوادًا”، تنبّهت الجبال هناك: أن وقت الردّ قد حان.
لا شيء عبثيّ في أن يختار الكيان اسمًا يُشبه نهايته.
فمن يفتتح حربه براية سوداء… لا ينتظر أن يعود.
ومن يعبر البحار ليضرب اليمن… لا يعرف أن اليابسة هناك تُقاتل.
يبدو أن الكيان نسي أن الحرب ليست غارة… بل تنفّس طويل.
وأن الشعوب التي تأكل الحصار، لا تموت منه.
وأن الأرض التي تُقصف منذ عقد، لا ترفع الراية… بل تُنزلها عن خصمها.
في السماء الآن، شيء تغير.
في البحر، خطوط جديدة تُرسم.
وفي قلوب من لا ينامون في غزة،
تُكتب عبارة بسيطة لا تحتاج تفسيرًا:
وفي لحظة صمت بين غارتين… تهمس الجغرافيا للتاريخ:
ما أشبه فلسطين… بالياسين
وما أشبه أبو عبيدة…بسريع
صنعاء منا ونحن منها
وإن بعدت المسافة
فصواريخهم من الصوت أسرع
وهم لتلبية النداء أسمع
…ثم سكت الجميع.
2025-07-08
