الحكومة اللبنانية سمسار يقايض على السلاح في عالم تحكمه مؤشرات “داو جونز” وأسعار العقود الآجلة لخام برنت!
فاطمة زاويل
تُكتب الحكاية الحقيقية وراء جميع حروب العالم في دفاتر الشيكات وممرات البورصات المظلمة. الحقيقة التي لا يذكرها رؤساء الدول “المتقدمة” هي أن جثث الضحايا لا تملك ثقلاً كافياً لتحريك بارجة حربية واحدة، مالم تكن تلك البارجة تحمي بئر نفط أو تؤمّن ممرًا تجاريًا.
إن العالم برغم الشعارات الإنسانية والنداءات الأخلاقية التي “تزيّن” الخطابات الرسمية، وكل الأشعار التي تحاكي الإنسانية لا يُقاد ببوصلة الحق، القانون والأخلاق، بل بمؤشرات “داو جونز” وأسعار العقود الآجلة لخام برنت. من مضيق هرمز الذي يختنق فيه العالم كلما ارتفع منسوب التوتر، إلى طاولات بكين التي تصنع “سلاماً تجارياً” لحماية استثماراتها، وصولاً إلى ذاكرة الحروب العالمية التي لم تشتعل إلا حين اصطدمت المصالح المالية بالجدران المسدودة؛ يبقى المال هو “المحرّك الأول” الفعلي للجيوش أو لطاولات المفاوضات. نحن لا نعيش في عالم يحارب من أجل العدالة، بل في غرفة اقتصاد تُقرر فيها الأرقام متى تُفتَح المدافع.. ومتى تُغمد السيوف.
فبالعودة إلى الحرب العالمية الثانية، سنجد أن دخول الولايات المتحدة للحرب لم يكن “صحوة ضمير” مفاجئة، بل جاء نتيجة تقاطع مصالح مالية وتجارية كقانون الإعارة والتأجير، ففي عام 1941، كانت القوانين الأمريكية تفرض قيوداً صارمة تمنع تقديم القروض للدول المتحاربة. لكن مع اقتراب بريطانيا من الإفلاس التام، أدركت واشنطن أن سقوط لندن يعني خسارة أكبر شريك تجاري لها وتحول أوروبا إلى “قلعة مغلقة” تحت السيطرة النازية تم إصدار قانون “الإعارة والتأجير” ليتجاوز شرط “الدفع نقداً” مستبدلاً إياه بكلمة “إعارة”، (وهي حيلة سياسية لإقناع الرأي العام بأن أمريكا لا تخسر أموالها بل “تُعير” معدات ستعود إليها). وبحلول الوقت الذي دخلت فيه أمريكا الحرب ميدانياً بعد هجوم “بيرل هاربر”، كانت قد ضمنت بالفعل أن هيكل الاقتصاد العالمي الجديد سيُبنى على الأنقاض الأوروبية بمهندسين وأموال أمريكية وبالوقت نفسه لضمان بقاء الأسواق مفتوحة ولمنع هيمنة قوة واحدة (ألمانيا) على الموارد الأوروبية.
كذلك نجحت بكين في تقريب وجهات النظر بين السعودية وإيران في 2023. الدافع لم يكن إنسانياً، بل لأن أي صراع في الخليج يعني توقف إمدادات النفط لمصانع الصين وتعطيل طرق التجارة التي استثمرت فيها المليارات وعقبات أمام مباردتها “طريق الحرير الجديد” فالبحث عن الاستثمارات والإنفتاح التجاري يتطلب بيئة “صفر مشاكل”.
والآن تعتبر منطقة الخليج العربي، وتحديداً مضيق هرمز، المثال الأوضح على كيف يتحول “أمن الطاقة” إلى المحرك الأول للسياسة الدولية وكيف يمكن التلويح بإغلاق/إغلاق هذا المضيق أن يعيد التوازن العالمي للقوى الدولية وكسر الحلم الأمريكي بعالم ذو قطب واحد!
تدرك طهران تماماً أن قوتها لا تكمن فقط في ترسانتها العسكرية، بل في قدرتها على خنق الاقتصاد العالمي عبر إغلاق المضيق الذي يمر من خلاله نحو 20% من استهلاك النفط السائل في العالم فعندما تلوّح إيران بإغلاق المضيق، هي لا تهدد بالدماء، بل بـ “الإفلاس”. ارتفاع برميل النفط إلى مستويات قياسية قد يؤدي إلى انهيار بورصات عالمية، وهذا ما دفع الولايات المتحدة لإعلان وقف إطلاق النار وللجلوس على طاولة المفاوضات رغم الخلافات العميقة ووعود ترامب السابقة بإنهاء إيران وإعادتها للعصر الحجري…
ولكن في لبنان، ماذا بحوزة الحكومة اللبنانية للجلوس على طاولة المفاوضات والضغط لإيقاف آلة القتل بدون استسلام لا مشروط؟ صحيح أننا نملك “حجرة عليها سمكة” لكن لا أظن أنها تشكّل ورقة ضغط على اسرائيل وأميركا! فعليًا الحكومة اللبنانية تلعب دور المقايض على سلاح المقاومة، فحين أقرّت الحكومة مقترح نزع السلاح جنوب الليطاني قدّمته مقابل انسحاب اسرائيل من المناطق التي احتلتها مؤخرًا، وحين أصدرت قرارًا منذ عدة أيام – تحت هدير وغارات الطائرات الحربية – بحصر السلاح في بيروت بيد القوى الشرعية وحدها وصرّحت ببيانات رفض الضغط الإيراني لوقف الحرب على لبنان كانتا بمثابة ورقة اعتماد لاسرائيل للقبول بالمفاوضات المباشرة. هذه الحكومة فعلًا لا تملك أي ورقة للتفاوض ولو بخسائر قليلة وتعجز عن حماية جوّها، بحرها وبرّها، فلا تجد أمامها سوى المقايضة على المقاومة، هذا واقعنا باختصار، الدولة اللبنانية تجلس على الطاولة كـ “سمسار” يحاول بيع الورقة التي يملكها “الطرف القوي في الميدان” لكي تشتري لنفسها بقاءً سياسياً تابعًا لأمريكا.
وبما أننا في لبنان لا نملك ممرات دولية لتشكيل ضغوط اقتصادية على المجتمع الدولي تبقى ترسانة المقاومة هي من يحدد سقف الحرب والمفاوضات ويمنع تحولها إلى استسلام غير مشروط وتبقى هذه الترسانة هي من تملك مفتاح القوّة في لبنان والإستقرار الأمني الذي يتبعه الاستقرار الإقتصادي في المنطقة وهذه هي الورقة الوحيدة التي ستجبرهم على وقف الحرب.
إن القول بأن المال هو المحرك الوحيد قد يبدو متشائماً، لكنه الواقع الذي تفرضه لغة الأرقام. الدول لا تتحرك لإنقاذ أرواح البشر ولا لحماية سيادة أي دولة إلا إذا كانت تكلفة “الفرجة” أغلى من تكلفة “التدخل”. العالم يحكمه “السلام البارد” الذي تفرضه المصالح المالية المشتركة، حيث تصبح أنابيب الغاز وكابلات الإنترنت أمتن من المعاهدات الورقية.
2026-04-11