الحروب الهجينة ، وجه اخر من وجوه التكنولوجيا!

رنا علوان
يُعَد التطور في منظومات التسليح من أهم العوامل التي تؤثر على التغير في شكل الحرب على المستوى الاستراتيجي ، وأيضًا على أسلوب المناورة في مسرح العمليات ، وتُعَد تطبيقات الذكاء الاصطناعي على اختلاف أنواعها
وقد عبَّر المفكر الاستراتيجي “كارل كلاوزفيتز” عن ذلك بعبارته الشهيرة [كل عصر له نوعه الخاص من الحرب، وظروفه المحددة، وأفكاره الخاصة]
ويتأثر التغير في شكل الحرب بعدد كبير من العوامل ، من أهمها التطور التكنولوجي ، خاصة مع استخدام الذكاء الاصطناعي
فلنذهب معًا الى حادثة جرت في صيف عام 2018 ، حيث كانت روسيا تستضيف مباريات كأس العالم ، وعلى بُعد آلاف الكيلومترات من هذا الحدث ، كان يجلس ثُلة من جنود الإحتلال الإسرائيلي في إحدى القواعد العسكرية ، يتابعون أحداث المباريات على هواتفهم الذكية ، من خلال الإستعانة بتطبيق جديد يُسمى “الكأس الذهبية” (Golden Cup)، ويمكن تحميله مجانًا من متجر غوغل على هواتف أندرويد
قدَّم لهم التطبيق المغريات ، بأن يكون المُتميز بالسرعة ، من جهة اعلان [مواعيد المباريات والأهداف والإحصاءات والنتائج عن كل مباراة ] ، وغيرها من المزايا التي يصعب مقاومتها لمَن يحب متابعة بطولة مهمة مثل كأس العالم
[ لكن ما لم يعرفه جنود الاحتلال حينها أن لهذا التطبيق جانبًا خطيرًا ، لأنه ببساطة لم يكن سوى أداة متطورة للتجسس على هواتفهم الذكية ]
وبمجرد تثبيت التطبيق على الهاتف الذكي ، يتصل بالخادم لتثبيت حمولة من برمجيات التجسس في سرية على الهاتف
وفي حالة هذا التطبيق ، تُثبت البرمجية عمدًا بعد تحميل التطبيق من متجر غوغل بهدف تجاوز عملية الفحص الأمني التي تفرضها الأخيرة
وهذا منح مجموعة الهاكرز فرصة تنفيذ تعليمات برمجية عن بُعد على الهاتف الذكي ، ليتمكّنوا من السيطرة عليه بشكل كامل ، ومعها أصبح بإمكانهم تتبع الموقع والوصول إلى الكاميرا والميكروفون وتحميل الصور والتنصت على المكالمات واستخراج الملفات من الهاتف
بعد تحميل تطبيق “الكأس الذهبية” وبينما يستخدم جنود الاحتلال هواتفهم ، كانت الوحدة السيبرانية التابعة لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” تحصد كمًّا هائلا من البيانات من تلك الهواتف (الأوروبية)
لم يدرك جنود الاحتلال أن هواتفهم تتعرض للتجسس ، وبينما يستخدمونها يوميًا كانت مجموعة الهاكرز تحصد كمًّا هائلاً من البيانات من تلك الهواتف
وفي غضون أسابيع قليلة ، نجحت في جمع معلومات غير مُعلنة حول مجموعة مختلفة من قواعد الجيش الإسرائيلي ومكاتبه ومعداته العسكرية كالدبابات والمركبات المدرعة
الفكرة أن هذه المجموعة لم تكن إحدى مجموعات الاختراق الشهيرة عالميًا ، ولم تكن تابعة لاستخبارات إحدى الدول الكبرى كالصين أو إيران مثلاً ، ورغم أن الحرفية والمهارات التي ظهرت في هذه العملية من السمات المميزة لأجهزة الاستخبارات الشهيرة ، فإنها كانت من أعمال الوحدة السيبرانية التابعة لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”
هذه القصة تُبين لنا جزء صغير جدًا من ما باتت تشكله التكنولوجيا من اهمية ، فلقد أصبح المجال السيبراني ميدانًا للحروب ، وقد يُصبح السمة الغالبة إن لم تكن الرئيسة في الحروب القادمة ، وقد نشهد ايضًا روبوتات في صفوف الجيش
وتكمن خطورة هذا الشكل من الحروب في أنه يستخدم الإنترنت والشبكات التي أصبح العالم يعتمد عليها وعلى الفضاء السيبراني (Cyber Space) بصورة متنامية ، لا سيما البنى التحتية المعلوماتية العسكرية والمدنية الحكومية والمؤسسات والشركات العامة والخاصة
ولقد لمسنا بالأمس كيف ان المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان ، كيف اصدرت بيانًا ، تطلب فيه وتتمنى على كل من لديه كاميرا امام منزله او محله التجاري ان يقوم بإطفائها ، كون العدو يخترقها ليحصل على معلومات من خلالها ، ناهيك عن اختراق الهواتف الارضية والخليوية
ومن دون اي شك ، أن زيادة الهجمات السيبرانية التي نشهد جزءًا بسيطًا منها يرتبط أيضًا بزيادة الاعتماد على شبكات الإنترنت في البنية التحتية الوطنية الأساسية ، وهو ما يعني إمكانية تطور الهجمات السيبرانية لتصبح سلاحًا حاسمًا ، علمًا بأن كل أبعاد الحروب السيبرانية لا تزال غير مفهومة لدى شريحة واسعة من العامة ” مما يُصعِّب من المواجهة”
ولا يغفل عنا يوم سبعة اوكتوبر المجيد ، فلقد كانت تجري معركة شرسة في العالم السيبراني ، في ذاك اليوم ، ولقد أشار تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية ، إلى أن حماس امتلكت “معلومات دقيقة عن أسرار الجيش الإسرائيلي بصورة تثير الدهشة” عند جمعها للمعلومات الاستخباراتية ، ويبدو أن مجهودات البحث والتخطيط التفصيلي، الذي شاركت فيه الوحدة السيبرانية ، ساهم بمعرفة أماكن خوادم الاتصالات في عدة قواعد عسكرية بدقة ، وهو ما ساعد الجنود على الأرض في استهداف تلك الخوادم وإيقافها عن العمل أثناء عملية “طوفان الأقصى”
كما أشار التقرير إلى أن كتائب القسام امتلكت “فهمًا ومعرفة متطورة، على نحو مفاجئ ، لكيفية إدارة الجيش الإسرائيلي ، وأين تتمركز وحدات بعينها ، وحتى الوقت الذي يستغرقه وصول التعزيزات”
ويُنسب الفضل في تطوير هذه القدرات للشهيد جمعة الطحلة ، الذي اغتالته إسرائيل في معركة “سيف القدس” في مايو/أيار 2021 ، وأعلنت حينها أنه قائد الأمن السيبراني في حماس ، وأن الهدف هو ضرب قدرات المقاومة في الهجمات السيبرانية
وفي هذا الإطار ، من المتوقّع أن يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم سباق التسلح ، ومفاهيم الردع ، خاصة أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي أقل تكلفة من الردع النووي، بالإضافة إلى أنها لا تواجه القيود الكثيرة المفروضة على امتلاك السلاح النووي ، وكذلك من المنتظر أن يغير الذكاء الاصطناعي مفاهيم التوازن الاستراتيجي عمومًا ، وخاصة التوازن العسكري ، لقد اصبحنا في زمن ان المُسيّرة ، او الطائرة من دون طيار تستطيع ان تشكل خطر حقيقي على محطات النووي
ومع ازدياد التعرض للهجمات السيبرانية ، اصبح الفضاء السيبراني جزءًا مهمًّا من منظومة أمن الدول ، وغالبًا ما يكون الفضاء السيبراني خارج أقاليم الدولة (البرية والبحرية والجوية) المتعارف عليها
وقد عرَّفت وزارة الدفاع الأمريكية الفضاء السيبراني بأنه [مجال يتميز باستخدام الإلكترونيات والطيف الكهرومغناطيسي لتخزين وتعديل وتبادل البيانات عبر أنظمة الإنترنت والبنى التحتية المادية] وبالتالي هو مجال بلا حدود واضحة، أُنشِئَ من خلال ربط ملايين أجهزة الكمبيوتر بشبكة عالمية مثل الإنترنت ، حيث تتيح العناصر المادية إطارًا للتوصيل البيني الذي يسمح بمعالجة المعلومات واستغلالها وتفاعلها
هذا ويتميز الفضاء السيبراني باللامركزية والتفاعل بين الجهات الفاعلة والدوائر والمصالح
وفي ضوء ذلك، تستهدف الحروب السيبرانية جميع مجالات الأمن القومي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والعسكرية
ختامًا ، لعل ما ينتظرنا هو [تداخل أساليب وأدوات الحروب لتفرز شكلًا جديدًا وهو الحرب الهجينة (Hybrid Warfare)
وتُعرَّف الحرب الهجينة بأنها [استراتيجية عسكرية تمزج بين الحروب التقليدية، والحروب غير التقليدية، والحروب السيبرانية، والتخريب والأنشطة الإرهابية والإجرامية، وتُستخدَم فيها أيضًا العمليات النفسية، والتجسس، وحشد الأقليات المذهبية والعرقية، ويتلاشى فيها التمييز بين الحرب والسلام] ، وتُستخدَم فيها القوات المسلحة النظامية والجماعات المسلحة غير النظامية
ويُعرّف الخبراء التهديدات الهجينة ، على انها من أعقد التهديدات التي قد تواجهها الدول ، لأنها تتكون من دمج غير نمطي للأساليب القتالية التقليدية وغير التقليدية والسيبرانية ، واستخدام المعدات وفنون القتال والوسائل الإلكترونية لتحقيق النتائج الاستراتيجية المخططة ، ولا تخضع هذه الحروب لشكل معين أو قواعد ثابتة ، ابتداءً من التخطيط والقيادة والسيطرة وانتهاءً بالعمليات المنفذة
وتكمن صعوبة الحرب الهجينة ، في انه يصعب التنبؤ بشكلها الواضح ، نظرًا لأن انتقاء ومزج الأساليب القتالية التقليدية وغير التقليدية والسيبرانية يتم بصورة غير نمطية تختلف من حالة إلى أخرى ، ويتطلب ذلك الفهم الدقيق لكل تطور وتحديث في الحروب التقليدية وغير التقليدية والسيبرانية ، لذلك سوف يصبح التصدي لمواجهتها ، أولوية وضرورة قصوى بالنسبة لدول العالم
2023-12-29