جمال الطاهات
على الرغم من أهمية اشتباك الحركة الثورية في معركة الصور ضد المستبد الفاسد، إلا أنها معركة محدودة وليست بديلاً عن تأسيس الشرعية الوطنية المستقلة عن المستبد الفاسد وعائلته، الذين يخوضون معركة الصور ضد شعبنا الأردني للتغطية على عدم شرعيتهم، ما يقدم للحركة الثورية خيار واضح يتمثل في العمل على بناء الشرعية الوطنية وتدعيمها بشكل مستقل عن المستبد الفاسد وعائلته.
وتجري معركة الصور على أكثر من مستوى وأكثر من جبهة، ويمكن تعريفها أنها منع الشعب من اكتشاف ذاته، والإصرار على تقديمه للعالم باعتباره شعب متخلف عنيف، لا سبيل لضبطه إلا بالقمع والتجويع. وهذا له عدة أوجه أولها اختزال فكرة الوطن بالمستبد الفاسد وعائلته، والتركيز على أنه لا وطن بدونهم. وثانيها الاعتداء على الرموز الوطنية وعلى التاريخ الوطني وتتفيه الذاكرة الوطنية، والتأكيد على أن التفاهة صفة للحالة الشعبية الوطنية. تكريم زوجة المستبد الفاسد (لمن اعتبرتهم مؤثري وسائط التواصل الاجتماعي)، لتقول: أن هؤلاء رغم مضمونهم التافه، لكنها تريد أن توهم بتكريمهم أنهم يؤثرون في الشعب الأردني، وبالتالي على العالم أن يساعدها على حكم الشعب الأردني ونهب موارده. وثالثها سعي المستبد الفاسد وعائلته تفسير الخراب الناتج عن استبدادهم وفسادهم، أنه نتيجة لتخلف الشعب الأردني ونزعات التطرف والعنف المتأصلة فيه. ورابعها منع بروز مثقفين وطنيين على مستوى العالم، حتى يتمكن المستبد الفاسد وعائلته أن يكونوا هم الصلة الوحيدة بين الشعب الأردني والعالم، ويكرروا ما قاله المستبد الفاسد قبل سنوات أن الشعب الأردني (قطعان) من المتخلفين “لا يميزون اليمين من اليسار”.
ويخوض المستبد الفاسد وعائلته معركة الصور، ليس فقط للتغطية على انتفاء شرعيتهم، بل أيضاً لتحقيق مكاسب سياسية ومالية، أهمها ضرورة تكريس صورة خاطئة انهم يطعمون الشعب الأردني، وأنه دونهم (رايح يموت من الجوع). وهذه وسيلة لنهب الموارد المالية والمساعدات الدولية. فهم يصورون الشعب الأردني أنهم مجموعة من المتسولين، والمستبد الفاسد وعائلته باسم هؤلاء المتسولين المفترضين، يحصلون على مساعدات مالية لتوزيعها على الشعب المتسول. والحقيقة أنهم يمنعون تشكل مؤسسات وطنية تقوم على خدمة الأرامل والأيتام والمعاقين، ويصرون على تحويل هذه الفئة إلى مشهد طاغي على صورة الشعب والحالة الوطنية.
اشتباك نشطاء العمل الوطني في معركة الصور، أثبت فعالية معقولة في تحرير الحالة الشعبية من أطروحات المستبد الفاسد وعائلته، ولكنها لا تكفي لكسب المعركة على الصعيد الإقليمي والعالمي. فالمنظور الوطني الديمقراطي للقضية الوطنية الأردنية ما زال غائباً. وهذا يستدعي العمل على مستوى جديد إضافي لتحويل التصدي للمستبد الفاسد وعائلته في معركة الصور إلى قاعدة لتأسيس شرعية وطنية مستقلة عنهم.
وأمام الحركة الثورية فرصة تحقيق انتصار حاسم لتأسيس شرعية وطنية مستقلة عن المستبد الفاسد وعائلته، الذين لا يملكون أي أدوات ووسائل قوة لمنع الحركة الثورية من انجاز هذه المهمة. فالشرعيات لا تقاس كمياً، ولا تقاس بمؤشرات القوة، إلا أنها علامة على تشكل إرادة وطنية مستقلة، وهو ما يمثل بحد ذاته (ومنذ لحظة انبثاقه) مكسبا تاريخياً استثنائياً للشعب الأردني، لا يمكن لأي كان أن ينتزعه منه.
وعلى الرغم من أن مواصفات الصيغة التي تحمل الشرعية الوطنية المستقلة عن المستبد الفاسد وعائلته، تخضع للعديد من المؤثرات التي تشكل ملامحها، إلا أن أهم ركائز الشرعية الوطنية هي المرونة والقدرة على التعبير عن كل مكونات المجتمع، وصيانة التوازن الاجتماعي باعتباره الصيغة الأقرب للعدالة، والتي تضمن القدرة على تجنب السكون، والمرونة الكافية لاستيعاب التحولات الاجتماعية التي تنتج عن التطور الاقتصادي والثقافي، بعد استرداد سلطات الدولة ومواردها وبناء الدولة الحقيقية.
ليس على الحركة الثورية استرداد الشرعية الوطنية الديمقراطية، وإنما صياغتها وتحقيقها. فالمستبد الفاسد وعائلته ليس لديهم شرعية حتى بإصرارهم على فرض صيغة مركزية يتحكمون بكل مفاصلها، التي أدت إلى الكثير من المشكلات الراهنة، وجعلت العديد منها تبدو مستعصية على الحل في ظل معادلة توزيع السلطة الراهنة. كما أن معركة الصور التي يشنها المستبد الفاسد وعائلته على الشعب الأردني، دليل حاسم على عدم شرعيتهم، مما يجعلهم يرتعبون من كلمات تكتب على الفيس بوك.
إذ بالرغم من أن حضور وتحقق الشرعية الوطنية الديمقراطية المستقلة عن المستبد الفاسد وعائلته سيقلل من أهمية معارك الصور، إلا أن أهمية معارك الصور تبقى في المدى المنظور ذات تأثير كبير على الحالة الوطنية، ويجب المضي في استحضار وتقديم الشرعية الوطنية الديمقراطية المستقلة، دون الانسحاب من أي جبهة فرضها المستبد الفاسد على الشعب الأردني.
أخيراً، لا بد من التذكير أن الشرعيات لا يمكن تبديدها بالقوة، وتاريخ حروب تفكيك المنظومات الاستعمارية يثبت أن الشرعية الوطنية الديمقراطية المستقلة هي الساحة الحقيقية التي من شأنها التقليل من فاعلية انحراف موازين القوى لصالح المستبد الفاسد وعائلته. إذ بالرغم من تفوق القوى الاستعمارية، إلا أن الشعوب المقهورة تمكنت بوسائل بدائية من طرد المستعمرين واسترداد بلادهم، استناداً إلى الشرعيات الوطنية التي رفعت إرادة الاستقلال ومنحتها فرصة النصر