الحرب ليست ذات ميدان واحد!
سعادة مصطفى أرشيد*
ينشغل العالم بأجمعه بأخبار الحرب على إيران وبتصريحات ترامب وما يصدر عن الإدارة الأميركية من استعداد لضرب الجمهورية الإسلامية أو اختطاف المرشد، كما حصل مع الرئيس الفنزويلي، وينشغل مجالنا القومي بالمسألة ذاتها وإن بشكل مضاعف وهذا أولاً بسبب تأثيراتها المباشرة علينا سياسياً واستراتيجياً، وثانياً بتأثيره على حياة المواطن الذي أخذ يستنفد ما في محال البقالة من مواد تموينية أو في محطات الوقود والغاز تحسّباً واحتياطاً، فيما نتابع عبر الفضائيات ما يقوله الخبراء العسكريون والاستراتيجيون الذين يزيدون من حالة الهلع بتقديراتهم التي تحدد مواعيد دقيقة لبدء الحرب، ولكن يمرّ الموعد دون أن تشتعل نارها فندخل في تمديد مواعيد جديدة وتصبح تلك التحليلات والتقديرات شبيهة أو منافسة لتنبّؤات فلكيين أصبحوا ينافسون بل يتفوّقون على غيرهم في المشاهدات.
فهل هذه حرب نفسية أم أن الحرب ستقع لا محالة، والتي ستتعامل طهران معها على أنها حرب وجودية تستهدف الوطن الإيراني، أم أنها ستكون ضربات تهدف وفق المفردات الأميركية لتعديل سلوك النظام وردعه عن المضي قدُماً في مشاريعه النووية أو تلك الاستراتيجية الهادفة للحد من التمدّد السياسي أم أن تسوية قد تحدث بعد التأرجح الخطر عند حافة الهاوية، وقد تفضي هذه التسوية بالوصول إلى حلول وسطية ربما أهمها تعديل شروط بيع البترول الإيراني للصين التي فقدت النفط الفنزويلي، الأمر الذي يعني أن النفط الإيراني قد أصبح المصدر الرئيس للطاقة إن لم يكن الوحيد والذي إن خسرته الصين فإن ذلك يعني ضربة بالغة القوة للاقتصاد الصيني وارتفاع أكلاف إنتاج السلع الذي لا زال يمنح الصين أفضلية بسبب أسعار بضائعها المتدنية.
ولما كان المقال لا يذهب باتجاه الجزم إن كانت المواجهة ستحصل أم لا، وهل ستكون وجودية استراتيجية أم تكتيكية أم أنها ستقتصر على تخوم الحرب النفسية، ولكن مع التأكيد أن الأحداث بالغة الترابط على ساحة الأمة والإقليم والعالم العربي بأسره، وهذا ما يجعل حالة من عدم اليقين تمثل فرصة لتنفيذ أجندات أخرى على هامش أخبار الحرب على إيران منها في اليمن وفي لبنان، حيث تمثل المقاومتان اليمنية واللبنانية أذرعاً استراتيجية لطهران، أو في فلسطين وتحديداً الضفة الغربية التي تعيش حالة من السيولة الداخلية ومن تآكل الاهتمام بمجريات الأحداث فيها.
لم تغادر الضفة الغربية العقل (الإسرائيلي) إذ بقيت دائماً في بؤرة اهتماماته وينظر إليها باعتبارها أرضاً لا يمكن التخلي عنها وذلك لأسباب دينية عقائدية، ثم لأسباب استراتيجية أمنية اقتصادية.
أقيمت المستوطنات في الضفة الغربية فور احتلالها عام 1967 وأخذ بعضها الطابع الديني، ولكن غالبها كان ذا طابع سياسي وأمني ويضمّ (إسرائيليين) من جماعات اشتراكية وعمالية، ولكن مع تسارع التمدّد اليميني والديني داخل الجمهور في دولة الاحتلال أصبحت المستوطنات تتخذ الطابع التوراتي العدواني الذي يبحث عن بؤره الاستيطانية من خلال كتاب قديم (التوراة) كتب قبل أكثر من 3000 عام ويتخذ من تجربة أوائل المهاجرين اليهود إلى فلسطين في مطلع القرن العشرين نموذجاً يُحتذى، أما في عهد الحكومات اليمينية فقد اعتمدت تلك المستوطنات العدوانية باعتبارها ذراعاً أمنية شريكة للجيش والشرطة وأجهزة الأمن. وفي عهد الحكومة الحالية تم تسليح مستوطنيها وتحريضهم وتشريع جرائمهم واعتداءاتهم.
في العقل الأمني الضفة الغربية هي الجنين الذي يقبع في بطن الأم والذي يجعل من وسط البلاد منطقة قليلة العرض لتصل المسافة بين حدود الضفة الغربية والبحر الأبيض المتوسط إلى بضعة كيلومترات في منطقة قلقيلية وهي أيضاً مصيدة دبابات تحديداً في غور الأردن الذي يُعتبر منطقة الدفاع الأول من الشرق.
اقتصادياً، الضفة الغربية تعوم فوق خزان مياه رئيسي لا يمكن الاستغناء عنه، واقتصادياً كذلك هي مصدر للخضار والفواكه وسوق للمنتجات (الإسرائيلية) وتحديداً الرديئة منها التي لا تخضع للرقابة الصحيّة كتلك التي يتم تصديرها إلى باقي الدول.
لم تخفِ الحكومة الحالية في تل أبيب نياتها تجاه ضم الضفة الغربية لا بل وأعلنتها فجعلت منها حجر زاوية في برنامجها، وقالت إن ضمّ الضفة الغربية هو الخطوة الأولى لشطب المسألة الفلسطينية شطباً نهائياً، ولحسم الصراع الذي هو شعار الحكومة التي تقول إنها بذلك تختلف عن الحكومات السابقة التي كانت تكتفي بإدارة الصراع لا حسم الصراع، لكن طوفان تشرين الأول 2023 جاء من خارج حسابات الحكومة المرتاحة في تل أبيب ليقلب الأمور رأساً على عقب.
اليوم في حالة الهلع العالمية والإقليمية، وإقامة مجلس السلام العالمي الذي سيحكم غزة بموافقة من كثيرين وعدم معارضة ممن تبقى، تعود الفرصة السانحة للحكومة للعمل على برنامجها الذي عطلته الأحداث المتلاحقة، وهكذا فالضفة الغربية مقبلة على أيام صعبة، ولكن هل سينجح هذا التصور المعادي أم أن مصيره سينتهي كما انتهى مصير غيره من المشاريع؟ فيما يدرك العقل الواعي أن هذا تحدٍّ أصيل وقديم ولا سبيل إلى مواجهته إلا بالصمود والقدرة على الاحتمال.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين – فلسطين المحتلة
2026-01-28