الحرب على إيران.. إلى أين؟
سعود قبيلات
تواصل وسائلُ إعلامٍ عربيَّة التَّرويجَ، على نحوٍ محموم، لأنباء تزعم استعدادَ الولايات المتَّحدة لإرسال قوَّة عسكريَّة كي تسيطر على بعض الجزر الإيرانيَّة بهدف إعادة فتح مضيق هرمز.
ومِنْ ناحية أخرى، يواصل الرَّئيس الأميركيّ، دونالد ترامب، إطلاقَ مواقف متناقضة؛ ففي غضون السَّاعات الماضية، فقط، أعلن إنَّه لا يريد وقف إطلاق النَّار؛ ثمَّ بعد ساعات قليلة، أعلن أنَّ الولايات المتَّحدة تدرس تقليص عمليَّاتها تدريجيَّاً في الشَّرق الأوسط ضدّ إيران؛ مضيفاً بأنَّه «سيتعيَّن على الدُّول الأخرى، الَّتي تستخدم مضيق هرمز، تأمينه ومراقبته، إذا لزم الأمر. الولايات المتَّحدة لا تستخدمه».
وهنا، نعود إلى طرح السُّؤال نفسه الَّذي طرحناه في مقالٍ سابق: أين هي تلك القوَّات الَّتي سيتمُّ تحشيدها لاحتلال الجزر وفتح المضيق؟
وهذا بغضّ النَّظر عن غياب احتمالات النَّجاح، من الأساس، في هذه المهمّة الصَّعبة.
لقد غادرت حاملةُ الطَّائرات الأميركيَّة «يو إس إس إبراهام لينكولن» – الَّتي تُعدُّ فخر القوَّة العسكريَّة الأميركيَّة – المنطقةَ، وهي معطوبة مذلولة، لتتحوَّل إلى مادَّة للسُّخرية في الإعلام العالميّ.
وعلى سبيل المثال، فوكالة «رويترز» قالت: «إنَّها (الحاملة) تغادر الخليجَ العربيَّ بصعوبةٍ بالغة».
فيما اعتبرت شبكة «سي إن إن» ما حدث «صدمةً وطنيَّة»، متسائلةً بمرارة: «كيف يمكن لقطعةٍ عسكريَّة بقيمة 13 مليار دولار أنْ تصبح غير فعَّالة في غضون دقائق؟».
ولم تتوقَّف «سي إن إن» عند هذا الحدّ، بل أضافت قائلةً إنَّ عودةَ الحاملة إلى الولايات المتَّحدة بهذه الحالة تُعدُّ «أكبر ضربةٍ لسمعة الجيش الأميركيّ منذ حرب فيتنام».
وفي السِّياق ذاته، قالت وكالة «سبوتنيك»، بصورةٍ دراماتيكيَّة وبقدرٍ كبيرٍ من السًّخرية، إنَّ «الأسطورة انتهت؛ فقد وصلت الحاملة (إلى المنطقة) لتُشكل تهديداً، لكنها عادت ككومةِ خردةٍ عائمة».
مِنْ جهتها، تحدَّثت وكالة «فرانس برس» عن «حالة الذُّعر الَّتي سادت في البنتاغون (عقب ضرب «يو إس إس إبراهام لينكولن»)»، مشيرةً إلى أنَّ انسحاب الحاملة «قَلَبَ موازينَ القوى في غرب آسيا لصالح إيران بشكلٍ حاسم»؛ ما أصاب «حلفاء الولايات المتَّحدة بحالة رعب؛ فإذا كانت كُبرى السُّفن الحربيَّة الأميركيَّة عاجزةً عن حماية نفسها مِنْ إيران، فكيف يمكن لأحدٍ إذاً الاعتماد على الحماية الأميركيَّة بعد الآن».
في حين ذهبت صحيفة «تلغراف» إلى حدِّ القول إنَّ «هذه الهزيمة ستُسجَّل في التَّاريخ باعتبارها لحظة انهيار الهيمنة البحريَّة الغربيَّة».
إنَّنا نتحدَّث، هنا، عن آلة عسكريَّة جبَّارة، كان مجرَّد الإعلان عن تحرّكها، إلى أيّ منطقة في العالم، كفيلاً بجعل العروش، في تلك المنطقة، ترتجف، وتستجيب للإملاءات الأميركيَّة.. حتَّى قبل وصول الحاملة.
وإذاً، هل سيتمّ، إرسال قوَّات أميركيَّة بديلة إلى إحدى الدُّول العربيَّة المشاطئة لإيران؟
الحقيقة أنَّ العديد مِنْ تلك الدُّول بدأ يتذمّر، علناً أحياناً، من الزَّجِّ به في أتون حربٍ مدمَّرة لم يكن طرفاً في إشعالها ولا مصلحة له فيها. وحتَّى لو رضخ بعضها وتحوَّل إلى منصَّةٍ لانطلاق العمليَّات البرِّيَّة، فهل ستقف إيران متفرِّجةً إلى أنْ تصل تلك القوَّات إلى الجزر المستهدفة؟
هنا، الجغرافيا ليست عاملاً محايداً؛ بل إنَّها تتحكَّم بسير العمليَّات العسكريَّة، وتقاتل، إلى جانب أصحاب الأرض، في وجه الغزاة القادمين مِنْ وراء البحار والمحيطات. ولذلك، فالإيرانيّون يعلنون صراحة أنَّ قوَّاتهم تنتظر وصول القوَّات الأميركيَّة على أحرِّ من الجمر.
وعليه، فإنَّ هذا الضَّجيج الإعلاميّ، عن التَّحضيرات لعملٍ عسكريٍّ بَرِّيٍّ، لا يعدو كونه جزءاً مِنْ جهود الحرب النَّفسيَّة. وانخراط وسائل الإعلام العربيَّة، تلك، فيه، بهذا المقدار من الزَّخم، يؤكِّد أنَّها أدواتٌ في هذه المواجهة أكثر مِنْ كونها منصَّات إخباريَّة.
ويمكن تلخيص أهداف حملة الحرب النَّفسيَّة، هذه، بما يلي:
أوَّلاً: محاولة صَرْف الأنظار عن فشل الولايات المتَّحدة و«إسرائيل» في تحقيق أهدافهما مِنْ هذه الحرب العدوانيَّة الَّتي شنَّتاها على إيران خارج إطار القانون الدَّوليّ. وهو فشلٌ يتَّجه، مع مرور الوقت، نحو التَّحوُّل إلى حالة استعصاء ستتعمَّق كُلَّما طال أمد الحرب؛
ثانياً: محاولة التَّأثير على أسعار النَّفط المتصاعدة. والمفارقة أنَّه بمجرَّد التَّلويح بالتَّدخُّل البَرِّيّ، قفزت الأسعار عدَّة نقاطٍ إضافيَّة؛
ثالثاً: تخدير الرَّأي العامّ، لا سيِّما في الولايات المتَّحدة والغرب، عن طريق إيهامه بأنَّ واشنطن تملك حلَّاً وشيكاً لمشكلة مضيق هرمز.
لكن، لو حدث ما هو مستبعَد، فشنّ الأميركيّون و«الإسرائيليّون» عمليَّةً بَرِّيَّة، فسيكون ذلك خطأً جسيماً في الحسابات لا يقلُّ جسامةً عن خطئهم في شنِّ هذه الحرب العدوانيَّة بمجملها على إيران.
ختاماً، لا تلوح في الأفق أيُّ مؤشِّراتٍ واضحة إلى احتمال توقُّف الحرب؛ فالأهداف الَّتي أعلنها الأميركيّون و«الإسرائيليّون»، عند بدء عدوانهم على إيران، تأكَّدَ تماماً بأنَّها غير قابلة للتَّحقيق؛ فهي، في جوهرها، شروط استسلام توهَّموا إمكانيَّة فرضها على إيران؛ وهذا ما ترفضه إيران بشكلٍ قاطع. ورغم محاولات ترامب المتكرَّرة التَّلميح إلى استعداده لإعلان نصرٍ زائف، ليستخدمه كذريعةٍ لإيقاف إطلاق النَّار، إلَّا أنَّ إيران تصرُّ على رفض الانخراط في أيّ خطَّة للتَّهدئة ما لم تكن مصحوبةً بضمانات دوليَّة ملزِمة تحول دون تكرار اعتداء الأميركيين و«الإسرائيليين» عليها (وعلى حلفائها) مرَّةً أخرى.
وعلى هذا الأساس، تبدو الحربُ مرشَّحةً للاستمرار في مسارٍ استنزافيٍّ مفتوح، إلى أنْ تفرض وقائع الميدان معادلاتٍ جديدةً تفضي إلى إنهائها. وبحسب هذا المسار، لا يبدو أنَّ الوقتَ عاملٌ يصبُّ في مصلحة الولايات المتَّحدة و«إسرائيل».
2026-03-22