الحرب ستدخل شهرها التاسع فهل بدأت علامات المخاض عليها!
رنا علوان
يشتد سعير نتنياهو في الآونة الأخيرة على رفح (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) بيد انه لا هو ولا الشيطان الأكبر قادران على فرض إملاءاتهم ، أو تحقيق أهداف حربهما الدموية ، أو ايجاد طيف نصر في جيولوجيا هذا الطوفان المُبارك
بعد مضيّ ثمانية اشهر ، قد يظن البعض بأن نتنياهو كان ساذجًا حين وصف ما حدث في رفح منذ أيام “بالخطأ المأساوي” وخاصةً بعد ان ابدى نيته بالتحقيق في الحادثة ، لكن الحقيقة هي انها (لعبة تبادل الادوار بينه وبين الشيطان الأكبر) هي ما دفعته لقول ذلك ( الأمر يشبه كثيرًا لعبة شد الحبل ، لكنها بمُفارقة بسيطة انها ليست بين اثنين مُتخاصمين إطلاقًا بل بين حلفين يتحكمان بهذا الإجرام بصورة ماكرة جدًا “احدهم يشد والآخر يقوم بالإرخاء” ، وهذا اللعب ما عاد ينطلي الا على قصيري النظر ، فبعد تصريح نتنياهو هذا أطلّ علينا ممثل البيت الأبيض ، نهار الثلاثاء الماضي ، قائلاً [ أن الغارة الجوية التي وقعت الأحد ، وأدت إلى مقتل عشرات الأشخاص في مخيم للنازحين الفلسطينيين في رفح بغزة “لم تتجاوز الخط الأحمر” الذي وضعه الرئيس الأمريكي جو بايدن]
ورد المتحدث بإسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض جون كيربي ، في المؤتمر الصحفي عندما سئل كيف لا يتجاوز هذا الهجوم الخط الأحمر لبايدن بقوله : “لا نريد أن نرى عملية برية كبيرة ، لم نر ذلك في هذه المرحلة”، وأضاف أنه “ليس لديه أي تغييرات في السياسة للتحدث عنها” عندما سئل عما إذا كانت هذه الغارة “ستغير السياسة”
ان ما لايدركه كل من الشيطان الأكبر والقيط الصهيوني ان هذا الحبل “شائك” ، يُدمي أطرافه أيادي اللاعبين ، ومع كل شدة ، ستتخبط قراراتهم ، فما كان التذاكي يومًا مُفيد ، كما ان العدو الذي فشل في تحقيق اي من اهدافه ، لم يستطع القضاءَ على المقاومة ولا تجريدها من سلاحها ، ولا استعادةَ اسير واحد من الأسرى لديها ، ناهيك انه لم يتمكن من فرض أية صيغة إدارية لقطاع غزة بعيدًا عن حركة حماس في محاولة منه لوضع خطة (اليوم الذي يلي انتهاء الطوفان) ، في حين لم توافق أي من الدول على المشاركة في قوات دولية أو عربية تتولى إدارة القطاع ، ولم تقبل أي من القوى الفلسطينية المحلية (العشائر والوجهاء ورجال الأعمال وقوى المجتمع المختلفة) ، التعاونَ مع الاحتلال في هذا الشأن ، وما زال الشعب الفلسطيني ومقاومته يظهرون صمودًا استثنائيًا وصبرًا اسطوريًا ، وبما ان القاعدة تقول [ انت مُنتصر ما زلت تقاوم ] فالنصر الى حد اليوم هو من نصيب غزة متمثلة بأهلها ومقاومتها وحلفائها
وفي سياق مُتصل نقلت القناة الـ12 عن رئيس “أمان” السابق أهارون زئيفي فركس ، قوله “لم يُحدد هدف نهائي لهذه الحرب بعد ثمانية أشهر على اندلاعها ، والجيش لا يستطيع العمل من دون أن يعرف هدفه النهائي”
وأضاف أنّ “كل هذه الأمور تقود إسرائيل إلى هذا التدهور في منظومة العلاقات الشاملة ، بما فيها السياسية والعسكرية”، وقال : “نحن موجودون في نقطة حاسمة من هذه الناحية ، بسبب ما يحدث حولنا ، وأيضًا بسبب ما يحدث في مقابل حزب الله الذي له تأثير في كيفية إنهائنا للحرب”
وأردف بالقول: “كان يجب علينا إعلان الانتهاء من المعركة المكثفة في قطاع غزة ، وأنّ لدينا أهدافًا أخرى ، فنحن لم ننسَ ما يحدث لنا في الشمال”
نتنياهو لا يشير بـ”الخطأ” إلى قتل الفلسطينيين ، وهو الذي أزهق أرواح أكثر من زُهاء ٤٠ ألفًا خلال ثمانية أشهر ، معظمهم من النساء والأطفال
(ولا تعني دموع الغرب شيئًا لضحايا احترقوا في خيام الإيواء على مرأى من العالم)
في نظر الغرب، قتل الفلسطينيين او غيرهم في المنطقة لا يستحق الاهتمام ، وقد منح العالم الضوء الأخضر لغالانت حين وصف سكان غزة بأنهم “حيوانات بشرية” وبالعودة إلى خطاب إسحاق رابين إبان الانتفاضة في العام ١٩٨٧ ، عندما سألته المذيعة: “كيف تقتلون كل هذا العدد يوميًا ؟” أجابها ببرود تام : “لا تضخمي الموضوع ، يموت أكثر من هذا العدد في كثير من الدول العربية بحوادث سير”
ان هذه الإبادة الجماعية لطالما عوّل الصهاينة عليها ، عندما أرادوا الترويج لفكرة الوطن القومي بدعوى نظرية “أرض بلا شعب”، الأرض الخالية إلا من بعض العرب المتخلفين ، الذين يعيشون في مستنقعات الجهل ويقتل بعضهم بعضا! لتبدأ بعدها سلسلة المجازر وحروب الإبادة الجماعية، من مجزرة دير ياسين والطنطورة وصولاً إلى مجازر غزة المستمرة حتى اليوم.. كل هذا يتلخص في لعبة بروباغاندا إعلامية ، هدفها “ترخيص” هذه الدماء التي لا يدافع عنها أحد ، فما فعلته اميركا سابقًا مع اصحاب الأرض يريد العدو اللقيط ان يفعله أيضًا ، لكن بمفارقة أن صورة “اللقيط الإسرائيلي” تحت المجهر وتتضررت بشكل كبير وافضح ، ولهذا اعتبر نتنياهو ما حدث خطأ ، والدموع الغربية ليست إلا محاولة لحماية “إسرائيل من نفسها”، خشية أن تخسر دعم الضحية الذي دأبت عليه لعقود
لكن بموازاة ما يحدث نجد عجزًا جليًا في المشهد السياسي المرافق للمعركة على مُختلف المستويات : المحلية والإقليمية والدولية ، فلا مُقاربات قادرة على تجاوز الصراع او مبادرات سياسية عملية مطروحة ، لا شيء حقيقي سوى مُساندة الأحرار ، فموازين القوى الدولية كما سلوك المنظومة السياسية الدولية والإقليمية ، ومؤسسات المجتمع الدولي ، ما زالت تميل بشكل كبير لصالح الولايات المتحدة الأميركية الحليف والراعي الفعلي للقيط الصهيوني ، واستمرارَ تفرُّد الولايات المتحدة بملف الصراع ، أظهر عجزًا واضحًا في ، فلم يتمكن أي طرف من تقديم مخرج سياسي معقول ومقبول لدى الطرفين: “المقاومة والاحتلال”
وبما أننا نعيش في موسم الانتخابات الرئاسية الأميركية، بالإضافة للعوامل الأخرى الكثيرة التي تقف خلف الانحياز الأميركي المطلق للاحتلال الصهيوني ، فإنّ الولايات المتحدة قدمتخطة للتوصل إلى صفقة لتبادل الأسرى بين (اللقيط الإسرائيلي وحماس) تهدف الى إنهاء الحرب في قطاع غزة ، وذلك في خطاب ألقاه بايدن يوم الجمعة الفائت ، وعرض لأول مرة تفاصيل مقترح الإسرائيلي بهذا الشأن ، مكونًا من 3 مراحل ، وحث حماس على القبول به مشددًا على أنها إذا رفضت (حماس) المقترح الإسرائيلي الجديد ، فإن تل أبيب ستواصل حربها في غزة ، معتبرًا أن حماس تقول إنها تريد وقفًا لإطلاق النار ، وهذه فرصتها لتثبت ذلك
في تفاصيل المقترح ، وقف “اعمال العنف ” وليس ةقف إطلاق نار مستدام ( كميزة يتمتع بها الغرب وهي اللعب على الكلام والمُصطلحات) وإطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين ، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المأهولة بغزة ودخول المساعدات
ووصف بايدن المقترح الإسرائيلي بمثابة “خارطة طريق” تهدف فيما بعد لوقف كامل وتام لإطلاق النار ، وانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع المناطق المأهولة بالسكان في غزة ، والإفراج عن المحتجزين بمن فيهم النساء والمسنون والجرحى، وفي المقابل إطلاق سراح مئات من الأسرى الفلسطينيين ، مشيرًا إلى أنه جرى نقل المقترح إلى حركة حماس عبر قطر
وفي أول تعليق له بعد خطاب بايدن، قال ديوان رئاسة الوزراء الإسرائيلية إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لديه إصرار على عدم إنهاء الحرب إلا بعد تحقيق جميع أهدافها
وأضاف أن “نتنياهو كلف الفريق المفاوض بتقديم الخطوط العريضة لتحقيق هدف إعادة المختطفين”، مشيرا إلى أن هذه “الخطوط العريضة تسمح بالانتقال المشروط من مرحلة إلى أخرى بما يحافظ على مبادئنا”
كما نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي لم تسمه ، قوله إن “بايدن لا يفهم الواقع هنا وخطابه ضعيف ويمثل انتصارا لحماس”
[ بايدن في حركة تذاكي يريد ان يبيع المياه في حارة السقايين ] فحماس ليست كأي منظمة سابقة كي تقع بفخ الشيطان الأكبر ، ولا هي كالسلطة التي تحاول ان تظهر وكأنها ليست جزءًا من الصراع ، وغير معنية بما يجري من حرب في قطاع غزة ، ولا بالصمود الاستثنائي للشعب الفلسطيني ، والتي لم تتصرف استنادًا لكونها قيادة ، ولم تتحرك للحديث عن دورها القيادي إلا في إطار المناكفة السياسية الداخلية أو التعطيل
أما عربيًا يتجلى لنا التفكك في هذا النظام العربي ، حتى وإن حاول التحرك ولو شكليًا ، كما يحدث في الجامعة العربية ، فإنه لا يمتلك رؤية واحدة ولا توافقًا على القضية الفلسطينية ومستقبلها
وبدا أيضًا أن عددًا كبيرًا من دول العالم العربي وكأنها على غير ذي صلة بالموضوع ، ومنفصلة تمامًا عن القضية الفلسطينية وتطوراتها ، والمؤسف انها تُساند العدو وتخرج علينا بتبرير اقبح من ذنب ، ومن يعلم هل سنشاهد بعضها في القريب العاجل تمنح نفسها كغطاءًا عربيًا للقيط الصهيوني
اذًا الحرب ستدخل شهرها التاسع ، وقد بدأ مخاضها لتضع مولودها لا أوزارها وعليه نحن امام سيناريو جديد
وهو ان يلجأ أحد طرفي الصراع لتصعيد نوعي كبير ، كي يجبر الطرف الآخر على الاستجابة لشروطه والنزول عند مطالبه السياسية ، وهنا إما أن تقوم المقاومة وحلفاؤها في التصعيد النوعي والمُفاجآت التي ستجبر الاحتلال على التجاوب مع مطالب المقاومة ، المتمثلة في وقف الحرب والخروج من قطاع غزة ، وإنجاز صفقة التبادل وإعادة الإعمار ، وما إلى ذلك ، وهذا ما قد بدأنا بلمسه ، أو الاستمرار بذات الوتيرة من المواجهة مع تغيّر نسبي في المستوى بين الحين والآخر ، مما يعني أن تتحول المواجهة إلى ما يشبه حرب الاستنزاف طويلة الأمد ، وممارسة أقصى أنواع الضغط ضمن سقوف محددة متفق عليها ضمنًا ، ويبقى كل طرف يعوّل على عامل الزمن وما قد يفعله بعدوّه
لكن ما يجب ان نضعه في الحسبان ان ارتفاع وتيرة المواجهة الحالية وتوسعها قد يطال ساحات ومواقع متعددة في الإقليم ، لأن هذه المواجهة الممتدة ستحمل في ثناياها مخاطر جمّة ، على مشاريع دولية وإقليمية ، وكذلك على عدد من الأنظمة والدول في المنطقة ، فالتباين الواضح في المواقف بين الشعوب والأنظمة سيتطور ويزداد مع الوقت ، مما يشكل خطرًا على استقرار عدد من الدول في المنطقة
أو قد تقدِم الولايات المتحدة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي على تصعيد نوعي في المنطقة ، بشنّ حرب على لبنان ، أو تصعيد الاشتباك بشكل مباشر بهدف الضغط من أجل فرض الإملاءات مع نهاية شهر حزيران يونيو وبداية شهر تموز ، من اجل مساعدة الاحتلال الإسرائيلي على إنجاز أهدافه المعلنة للحرب بشكل مباشر ، كون الشيطان الأكبر سيرتاح قليلاً من عبأ مسار الإنتخابات كما هو معلوم
في كلتا الحالتين سنكون أمام تصعيد استثنائي ، ونوعي ، ولا يمكن التنبؤ بنتائجه ، ولا بالمنتصر فيه ، لكن استنادًا إلى حقائق التاريخ فإن الشيطان الأكبر لديه سجل طويل من الفشل في المنطقة ناهيك عن ان الاحتلال الإسرائيلي أصبح كيان عاجز ، وبالتالي هذا سيصب في مصلحة المقـاومة
المشهد ما زال مرشحًا لمثل هذا التطور ما لم تبادر قوى إقليمية ودولية فاعلة وقادرة على بلورة رؤية سياسية تخدم المشروع الفلسطيني ، والقضية الفلسطينية ، وتتحرك بشكل جادّ وفاعل، وتضغط في كل اتجاه ، من أجل إعطاء الفلسطينيين ما يمكن أن يقنعهم بوقف هذه الحرب ، وإنجاز حدّ معقول من الحقوق للشعب الفلسطيني بعد كل ما قدّموه من تضحية وبطولة وصمود ، ويلجم هذا التوحّش والإجرام الذي يقترفه الاحتلال برعاية الشيطان منذ ما يقارب الثمانية أشهر
إن الشعب الفلسطيني بكافة مكوناته وقواه ، وكذلك القوى والشعوب والدول الداعمة للحق الفلسطيني والمدافعة عن القيم الإنسانية ، أمام فرصة تاريخية لمواجهة قوى الهيمنة والاستعمار والعنصرية والتطرف ولجم هيمنتها ونفوذها ، وإن الاستثمار في هذه اللحظة التاريخية هو مسؤولية كل المؤمنين بقيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية ، فقد أضحت القضية الفلسطينية هي المعبّر الحقيقي العالمي عن هذه القيم ، وعليه فواجبُ نصرة غزة والفلسطينيين هو واجب كل حر وشريف
2024-06-03
