الحرب الغربية على مستقبلنا … 2!
ابو زيزوم
السلطات الثلاث
عندما تُذكر السلطات الثلاث يتبادر الى الذهن المؤسسات العليا المنصوص عليها في دساتير الدول، والتي تحكم عمل الدوائر. الا اننا هنا نتحدث عن السلطات الحاكمة لسلوك الافراد، وهي: سلطة القانون وسلطة الدين وسلطة الاخلاق او ما نسميه (الاعراف والتقاليد)، ونستثني سلطة الضمير لأنها فردية خالصة بلا مظاهر اجتماعية.
تسلسل تلك السلطات من حيث قوتها على تصرفات الافراد غير ثابت، فربما ينصاع الشخص للقانون قبل الاعتبارات الاخرى في ظرف من الظروف وفي ظرف آخر يخرق القانون تمشياً مع التقاليد او الدين. وعادةً يسمو القانون في مراحل التقدم الحضاري بينما يكون الدين اقوى في المراحل البدائية من حياة المجتمعات. اما التقاليد فإنها تتوحد مع القانون كلما ارتقى المجتمع من التخلف نحو التحضر.
على سبيل المثال في مجتمعاتنا المتخلفة لا يخجل المرء من التحايل للتخلص من دفع فاتورة الكهرباء للدولة، بل يُنظر اليه كذكي ويستفسر منه الجيران عن الطريقة كي يقلدوه كما يستفسر الطلاب من معلمهم. هذا الشخص لا يحتال للتخلص من دعوة جاره في مناسبة اجتماعية وإن كلفته الدعوة مالاً كثيراً، واذا احتال يبدأ باصطناع الاعذار ويبقى مخذولاً ومحتقراً في نظر الناس.
الدين حالة اخرى تختلط حيناً بالقانون وحيناً بالعرف. جانب الدين المتضمن تكاليف مادية كـ(الزكاة) يقف منه المرء كما يقف من القانون، مع فارق ان الحسيب في هذه الحالة لا يمكن استغفاله لأنه الله العالم حتى بالنوايا. فنجد كثيرين يؤدون ما عليهم على مضض، وبعضهم يقصّر في الدفع ويحاول التعويض عن تقصيره بالحفاظ على العبادات التي لا يخسر فيها مالاً.
الناس البسطاء وهم الاغلبية الساحقة تتداخل عندهم الاعراف بالدين فيصبح خرقها ليس معيباً وحسب وانما مغضباً لله ايضاً. فلو قيل ان فلاناً يأكل لحم الخنزير لاعتبره الناس مرتكباً لإثم لا يغتفر وربما قاطعوه. ولا يتخذ الناس نفس الموقف من الكذاب رغم ان النهي عن الكذب تكرر مرات كثيرة في القرآن بينما ورد النهي عن لحم الخنزير مرة واحدة. والسبب في جوهره اجتماعي وليس دينياً، فعدم وجود الخنازير في بيئتنا جعلها شديدة الغرابة على النفس في حين يتكرر الكذب يومياً ويحلف كثيرون كذباً فما عاد الامر مستنكراً.
هكذا انسجمت الاعراف وقوانين الدولة في الغرب، فالدولة هناك تقابل العشيرة عندنا يلتزم الفرد بتعاليمها طوعاً ويحرص على مصلحتها ويخجل من الاستهانة بها. فالعسكري عندنا يتباهى بقيادة العجلة العسكرية عكس السير ويتمنى لو يراه الاقارب والاصدقاء وهو يرتقي هذا المجد الرفيع، اما هناك فالامر مخجل ويتمنى المضطر على فعله ان لا يراه احد.
عندنا التقاليد منفصلة تماماً عن كيان الدولة، والناس لا يتوقفون عن نهش دولتهم الا بالقوة الرادعة. نتكلم بالعموم ونعترف بأن هذه الحالة من الانفصال تقل كلما تحضّر المجتمع، او كلما تملكته الحالة الثورية الموجهة ضد الاعداء الخارجيين. اما وان مجتمعاتنا في معضمها متخلفة وتعيش حالة استسلام للاعداء الخارجيين فإن الدولة هي العدو وهي مشروع انتهاب كلما سنحت الفرصة.
___ يتبع
( ابو زيزوم _ 1394 )
2023-02-07