الحرب الأوكرانيّة:
ترامب متشائل بعد مكالمة مع بوتين، وروسيا تتمهل!
سعيد محمّد*
امتنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تقديم جدول زمني لمحادثات سلام مباشرة بين روسيا وأوكرانيا قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنها “ستبدأ على الفور”.
وأعلن بوتين بعد مكالمة هاتفيّة استمرت ساعتين مع نظيره الأمريكي (بعد ظهر الإثنين) ” اتفقنا مع الرئيس الأمريكي على أن روسيا ستقترح ومستعدة للعمل مع الجانب الأوكراني على مذكرة إطار بشأن تسوية ممكنة تتضمن المبادئ التي سيقوم عليها سلام دائم والتوقيت المحتمل لذلك، ويمكن أن تشمل وقفاً لإطلاق النار لفترة من الوقت إذا تم التوصل إلى اتفاقات معينة”، لكنّه أشار إلى أن الهدف الرئيسي لروسيا من الانخراط في هكذا عمليّة يظل دائماً “إزالة الأسباب الجذرية لهذه الأزمة”.
وتحدث الزعيمان عبر خط مشفر، الرئيس الروسي من منتجع سوتشي على البحر الأسود، والأمريكي في واشنطن، وتخاطبا بالأسماء الأولى، حيث هنأ بوتين ترامب على ولادة حفيده الأخير.
ووصف بوتين للصحافيين المكالمة ب”الصريحة جداً، والمفيدة للغاية”، فيما قال ترامب إنها سارت “بشكل جيد للغاية”، وقد سألت بوتين “متى سننهي هذا يا فلاديمير؟”.
وتحدث الرئيس الأمريكي بعد المكالمة إلى العديد من القادة بمن فيهم الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريك ميرتس، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، ووضعهم في صورة مضمون حديثه إلى الرئيس الروسي.
وقال ترامب لاحقاً: ” لقد صرح الفاتيكان، ممثلاً بالبابا (ليو الرابع عشر)، أنه سيكون مهتماً جداً باستضافة المفاوضات (الروسية الأوكرانية المباشرة)، فلتبدأ العملية، وسيكون ذلك رائعاً”، مشيراً إلى أن ذلك “سيضيف هيبة إضافية إلى الإجراءات”. ولم تعلق مصادر الفاتيكان على تصريحات ترامب حتى الآن.
لكن على الرغم من التفاؤل الذي أظهره الرئيس ترامب حول إطلاق اتصالات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا، إلا أنّه حذّر من احتمال إنهاء جهود السلام التي تقودها الولايات المتحدة لأن هناك “بعض الغرور الكبير المتضمن في المسألة”، وأضاف: “بدون تقدم، سأنسحب، فهذه ليست حربي، ولدي خط أحمر في رأسي بعده سأتوقف عن الضغط على الجانبين”.
من جهته، قال ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (صباح أمس الثلاثاء) تعليقاً على مكالمة بوتين-ترامب: “لا توجد مواعيد نهائية، ولا يمكن أن تكون هناك أي مواعيد نهائية. من الواضح أن الجميع يريد القيام بذلك في أسرع وقت ممكن، لكن، بالطبع، الشيطان يكمن في التفاصيل”، مؤكداً أنه “ستتم صياغة مسودات (لمذكرة الإطار بشأن تسوية ممكنة) من قبل كل من الجانبين الروسي والأوكراني، ومن ثم تبادل تلك المسودات، وبدء اتصالات قد تكون معقدة للتوصل إلى نص مشترك”.
وبحسب مصادر صحفيّة، وتصريحات ليوري أوشاكوف مساعد الرئيس بوتين للسياسة الخارجية، فإن المكالمة تضمنت كذلك مناقشة صفقة تجارية محتملة بين الولايات المتحدة وروسيا بمجرد انتهاء الحرب، وتبادلاً جديداً محتملاً للسجناء بين البلدين قد يشمل تسعة أشخاص.
وقال أوشاكوف إن الزعيمين الروسي والأمريكي يريدان الاجتماع شخصياً وكلفا فرقهما للعمل على التحضير لذلك وإن لم يتم التوافق بعد على مكان لعقده، مؤكداً أن ترامب قال لبوتين: “: فلاديمير، عزيزي، يمكنك أن تتصل بي في أي وقت، وسأكون سعيداً بالرد، والتحدث إليك”.
في كييف، شدد زيلينسكي على ضرورة استمرار دور ترامب في التوسط لإنهاء الحرب. وكتب على موقع إكس بعد تلقيه مكالمة الرئيس الأمريكي: “إن هذه لحظة حاسمة، لكن من الأهمية بمكان بالنسبة لنا جميعا ألا تنأى الولايات المتحدة بنفسها عن المحادثات والسعي لتحقيق السلام، لأن الشخص الوحيد الذي يستفيد من ذلك هو بوتين. وأنا أشكر كل من يدعم هذا النهج”.
وأضاف: “إذا رفضت روسيا وقف عمليات القتل، ورفضت إطلاق سراح أسرى الحرب والرهائن، وإذا طرح بوتين مطالب غير واقعية، فهذا يعني أن روسيا تواصل إطالة أمد الحرب، وتستحق أن تتصرف أوروبا وأمريكا والعالم حينها وفقاً لذلك، بما في ذلك فرض مزيد من العقوبات”.
ورحب زيلينسكي باقتراح ترامب للفاتيكان كمكان محتمل للمفاوضات المباشرة مع روسيا، وقال: “أوكرانيا مستعدة لإجراء مفاوضات بأي شكل يحقق نتائج”، وإن تركيا، أو الفاتيكان، أو سويسرا يمكن أن تستضيفها، مشيراً إلى إن كييف وشركائها يسعون إلى أن تكون المفاوضات على صيغة اجتماع رفيع المستوى تحضره إلى جانب أوكرانيا وروسيا كلاً من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبريطانيا.
الحلفاء الأوروبيّون من ناحيتهم لم يكونوا راضين فيما يبدو عن مضمون مكالمة بوتين-ترامب، إذ ثمة خشية بينهم من أن يبرم ترامب في عجلته من أمره لإنهاء القتال اتفاقاً مع بوتين يحصل فيه الأخير على معظم مطالبه على حساب أوكرانيا.
ونقلت فايننشال تايمز اللندنية عن رئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلت قوله إن المكالمة مع ترامب كانت “بلا شك انتصارا لبوتين”، وإن الزعيم الروسي “صرف النظر عن الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، وبدلاً من ذلك يمكنه الآن مواصلة العمليات العسكرية في نفس الوقت الذي يمارس فيه الضغط على طاولة المفاوضات”.
وفي وقت متأخر من مساء الاثنين قال المستشار الألماني فريدريك ميرز إن القادة الأوروبيين قرروا زيادة الضغط على روسيا من خلال العقوبات بعد أن أطلعهم ترامب على مضمون مكالمته. ويبدو – بحسب رويترز – أن الرئيس الأمريكي قد أبلغ حلفاءه الأوكراني والأوروبيين بأنّ بلاده لا تدعم مبدأ فرض مزيد من العقوبات على روسيا لأن ذلك “قد يزيد الأمر سوءاً”.
ووجه الأوروبيّون قبل عشرة أيّام إنذاراً لروسيا بضرورة قبول وقف غير مشروط لإطلاق النار أو مواجهة مزيد من العقوبات، لكن موسكو تجاهلته ودعت إلى عقد مفاوضات ثنائيّة مباشرة مع الطرف الاوكراني عقدت في اسطنبول يوم الجمعة، وهي الأولى منذ بدء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات. لكن تقدماً لم يتحقق.
وتعهد الرئيس ترامب قبل انتخابه بإنهاء الحرب في اليوم الأول من ولايته الثانية، لكن السلام أثبت أنه بعيد المنال مع استمرار التباعد بين مطالب الجانبين.
وتريد روسيا أن يتضمن أي اتفاق سلام تقييداً على قدرات وحجم الجيش الأوكراني، ووقف تلقيه إمدادات عسكريّة من الغرب، وأن يقرّ نظام كييف بسلطة موسكو على خمسة أقاليم ضمتها روسيا بما فيها أربعة يسيطر الجيش الروسي بالفعل على معظمها بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم. وبينما لا يمانع الروس من التحاق أوكرانيا بالاتحاد الأوروبيّ، إلا أنهم يرفضون قطعياً مسألة انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفيما يتقبل الجانب الأمريكيّ السيادة الروسية على الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الروسيّ بالفعل في أوكرانيا، فإن نظام كييف يجد أن تقديم تنازلات بشأن أراضي الجمهوريّة أمر صعب للغاية، كما أن زيلينسكي متردد أيضا في الموافقة على أي شيء قد يقيد حق نظامه في الدفاع عن نفسه في الحروب المستقبلية أو يمنعها من بناء علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية عميقة مع الغرب، ويطالب بتمركز قوات أوروبيّة عبر البلاد كضمانة أمنية.
– لندن
2025-05-21