ارهاصات مجنون
واشنطن وطهران… معركة الشروط؟
الجزء الاول
د.طالب الشوكة*
حين لا يكفي التفوق العسكري
لا تُقاس نتائج الحروب دائماً بحجم الدمار الذي يلحق بالخصم، ولا بعدد الأهداف العسكرية التي تُدمَّر، بل بمدى قدرة القوة المهاجمة على تحويل تفوقها العسكري إلى واقع سياسي ينسجم مع أهدافها. فالتاريخ الاستراتيجي يقدم نماذج متعددة لدول امتلكت تفوقاً عسكرياً ساحقاً، لكنها واجهت صعوبة في فرض النتائج السياسية التي أرادتها.
وفي المواجهة الأمريكية الإيرانية، تبرز هذه المعضلة بوضوح. فواشنطن تمتلك تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً كبيراً، بينما تواجه طهران تحدياً يتمثل في الحفاظ على قدرتها على المقاومة والمناورة رغم الخسائر التي تتعرض لها. غير أن المسألة الأهم ليست ما إذا كانت إيران قادرة على مجاراة الولايات المتحدة عسكرياً، بل ما إذا كانت تستطيع منعها من فرض تسوية سياسية تحقق أهدافها الأساسية.
وقد أشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، الصادر في ايلول 2026، إلى أن المواجهة تحولت إلى نمط من الاستنزاف المتبادل؛ إذ تواجه إيران ضغوطاً عسكرية واقتصادية شديدة، فيما تواجه الولايات المتحدة وشركاؤها تحديات تتعلق باستدامة العمليات وتكاليفها ومخاطر استمرارها.
من هنا، يصبح السؤال الاستراتيجي: هل تستطيع طهران تحويل قدرتها على حرمان واشنطن من نصر سياسي واضح إلى تغيير مستدام في ميزان القوى الإقليمي؟
لا تحتاج إيران بالضرورة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً كي تحقق مكسباً سياسياً. فقد يتمثل هدفها في منع واشنطن من فرض شروطها الجوهرية، وإبقاء القرار الإيراني خارج نطاق الإملاء المباشر.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من مجرد استمرار القتال. إذ ينبغي لطهران أن تحتفظ بأوراق ضغط تستطيع توظيفها في المفاوضات، وأن تمنع تحول الخسائر العسكرية إلى انهيار في قدرتها على اتخاذ القرار.
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين: إفشال أهداف الخصم من جهة، وتحقيق أهداف استراتيجية خاصة من جهة أخرى. فقد تنجح إيران في منع فرض بعض الشروط الأمريكية، لكنها تخرج في الوقت نفسه بقدرات عسكرية أضعف واقتصاد أكثر هشاشة.
لذلك، فإن نجاح استراتيجية حرمان الخصم من النصر لا يُحسم بمجرد استمرار المقاومة، بل بما تستطيع الدولة الاحتفاظ به من مصالح وقدرات بعد توقف المواجهة.
يمثل العامل الإنساني أحد أكثر عناصر الصراع تعقيداً. فالتفوق التكنولوجي يستطيع تدمير المنشآت العسكرية وتعطيل منظومات القيادة والاتصالات وإلحاق خسائر كبيرة بالقدرات المادية للخصم، لكنه لا يضمن بالضرورة إخضاع إرادته السياسية.
وقد تستمر القيادة في المقاومة لأنها ترى أن التراجع يهدد أمن الدولة أو استقلال قرارها، أو لأن شروط الخصم تُعد أكثر كلفة من استمرار المواجهة. وفي المقابل، قد تدفع الخسائر المتراكمة القيادة نفسها إلى مراجعة حساباتها.
لكن الإرادة ليست عاملاً منفصلاً عن الواقع المادي؛ فهي تتأثر بقدرة الدولة على توفير الموارد، وبمدى تماسك مؤسساتها، وبموقف المجتمع من الحرب، وبالنتائج التي يتوقعها من استمرارها.
وعليه، فإن التحدي الإيراني لا يكمن في إثبات القدرة على تحمل الخسائر فحسب، بل في تحويل الصمود إلى قدرة تفاوضية مستدامة، من دون أن تصبح كلفة المقاومة أكبر من المكاسب المحتملة.
تتجاوز أهمية مضيق هرمز كونه ممراً بحرياً حيوياً لتجارة الطاقة؛ فهو يكشف كيف يمكن للجغرافيا أن تؤثر في حسابات القوى العسكرية الكبرى.
فإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه لا يقتصر أثره على أطراف المواجهة، بل يمتد إلى أسواق الطاقة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية. وبذلك تتحول الأزمة العسكرية إلى مشكلة اقتصادية دولية، وتزداد الضغوط على الأطراف المعنية لإيجاد تسوية.
وفي تشرين اول 2026، أفادت وكالة رويترز بأن إيران أبقت عرضاً لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام على الطاولة، شريطة قبول الولايات المتحدة مطالب إيرانية تشمل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، ورفع العقوبات المفروضة على صادرات النفط، ووقف الأعمال العدائية على الجبهات الإقليمية. وظل الخلاف قائماً بشأن إصرار واشنطن على معالجة البرنامج النووي الإيراني ضمن المفاوضات.
وتكشف هذه التطورات عن محاولة إيرانية لربط أمن الملاحة بمطالب سياسية واقتصادية أوسع. لكن نجاح هذه المحاولة ليس مضموناً؛ إذ يمكن أن يؤدي استمرار تعطيل الملاحة إلى زيادة الضغوط الدولية على طهران، كما تستطيع واشنطن استخدام أدوات عسكرية واقتصادية مضادة.
وعليه، فإن قيمة مضيق هرمز الاستراتيجية لا تكمن في القدرة على تعطيل الملاحة وحدها، بل في القدرة على تحويل المخاطر التي يولدها التعطيل إلى اتفاق سياسي يحقق مكاسب قابلة للاستمرار.
انتظرونا مع الجزء الثاني
2026-10-24