الحرب الأوكرانية كيف نفهمها ونُقَدّر مسارها و نتائجها…!
عماد قطنية
جيد أن نبدأ بالإقرار بقانون السبب والنتيجة , وأن لكل حدث دافع ومحرّك . وأن هناك أسباب ذاتية وأخرى موضوعية تتكامل في انتاج ما نحن بصدده الذي سيعطي نتائج خاصة وأخرى عامة .
لا شك أن هناك تفاصيل عديدة تقف خلف الأزمة , منها ماهو تاريخي و منها ماهو مستجد . وكي لا نقف طويلا عندها نكتفي بالإختصار بأن هناك خلافا روسيا أوكرانيا ما بعد انهيار الإتحاد السوفيتي والثورات الملونة والإنقلاب على الشرعية , جيوسياسي حول الحدود والتداخل السكاني , تَمَدّدَ ليطال الخلاف الإقتصادي بخصوص الطاقة وممراتها الى اوروبا , ومن ثم نشوء أزمة الجمهوريات الشرقية ذات الأغلبية الروسية, التي أعلنت انفصالها بعد تعذر حل الخلافات وتطورها الى حرب امتدت لسنوات . هذه التفاصيل لا تعكس جوهر الأزمة بقدر ما هي أعراض .
فما هو الجوهر ؟
المراقب يستطيع أن يتلمس المتغيرات العالمية الذاهبة بإضطراد نحو التعددية القطبية . تلك التي تتصدرها قوتان تمثلان جناحي الإقتصاد والعسكرة ( الصين وروسيا ) اللتان انتهجتا طريق التحالف الإستراتيجي لتأمين توازن دولي يلبي قدراتهما ومصالحهما وتطورهما وحاجتيهما .
مثل هذا التحالف كما هواضح يهدد وحدانية القطب الدولي ومصالحه المرتهنة بسلب ثروات شعوب العالم في آسيا وأفريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية , وأيضا بتوظيف أوروبا في خدمة المصالح الأمريكية نظير حماية وهمية لها في مواجهة البعبع الروسي المفتعل . مستغلين تاريخ سنوات الحرب الباردة بين الشرق والغرب .
مثل هذا التهديد لهذه القطبية افترض خطوات تصعيد في مجال الحصار والعقوبات الإقتصادية على احد جناحي التغيير ممثلا بروسيا الأضعف اقتصاديا والأقوى عسكريا, والتي مع فشلها تم الإنتقال الى مرحلة التحرش والإستفزاز الأمني على الحدود الغربية وتحديدا اكرانيا , التي تم توريطها من خلال رئيس دمية يلتزم خط السياسة الأمريكية المسؤولة عن وصوله سدة الرئاسة .
هذا الإستفزاز الأمني ومحاولة دخول حلف الناتو على شاكلة بولندا وبعض دول البلطيق في محاولة خنق روسيا واللعب في حديقتها الخلفية , كان واضحا في استهدافه وفي احتمالية نتائجه . فإما وصولا سلسا للناتو الى الحدود الروسية بما يجعلها تحت الخطر الدائم والتهديد الشديد , وإما جر روسيا الى حرب تستنزف طاقاتها الإقتصادية العسكرية ويضعفها ويضعف دورها في التغيير الدولي وهذا الأكثر احتمالا .
فهل وقعت روسيا في الفخ الأمريكي ؟
من السذاجة تصور وقوع روسيا بخبرتها في مثل هذا الفخ . لكن ومع قراءة دقيقة للأهداف الأمريكية وللمعادلات المختلفة بما فيها العسكرية الإقتصادية والسياسية , ومع الإدراك بأن أمريكا ذاهبة في خيارها حتى النهاية استنادا لمعطيات تملكها فقد كان محتما على روسيا العمل على تفشيل هذه السناريوهات لتأمين أمنها القومي أولا , ولفتح طريق التعددية القطبية ثانيا والتي تحرر العالم كما روسيا من الهيمنة الأمريكية الدولية .
فماذا في جعبة أمريكا لتصعيد الأمور والمجازفة بهذه المعركة ؟
أولا : أمريكا تدافع عن معاقلها وهيمنتها وسلبها لثروات شعب العالم التي هي مصدر تفردها وثرواتها .
ثانيا : أمريكا تضرب عصفورين بحجر واحد حين تشتعل حرب وقودها الأوروبيين من روس وغربيين . فالأول يُستنزف بوصفه عدو يبحث عن قلب طاولتها العالمية , والثاني يستنزف حليف ليستشعر بمزيد الضعف ومن ثم الحاجة لحماية الناتو ( ألأمريكي ) في وجه العدوانية الروسية , وريثة الإتحاد السوفيتي . ولا يهم الأمريكي الضحايا والخسائر طالما أنه يقامر بحياة الأوروبيين واقتصادهم ومقدراتهم المختلفة ومعانياتهم من سياسة الحصار وارتداداتها على الصعد المختلفة وفي مقدمتها الطاقة في الصناعة والتدفئة وايضا في موضوع الغذاء والخام الحيوي في الصناعات الحيوية الأوروبية .
ثالثا : أمريكا لديها حلف الناتو بترسانته العسكرية في أوروبا وسهولة دعمه اللوجستي والعسكري لأوكرانيا لإطالة الحرب حتى آخر أوكراني وحتى آخر أوروبي , طالما ذلك لا يكلفها جندي أمريكي واحد .يمكن أن يزعزع الشارع الأمريكي ويحركه ضدها .
وماذا في الجعبة الروسية للإقدام على هذه الخطوة بإتجاه الحسم العسكري ؟
أولا : لديها الجغرافيا التي تسمح لها بحيازة تفوق على الناتو وليس الأوكراني محدود القدرات نسبيا .
وثانيا : لديها البعد البشري الروسي بما فيها الجغرافيا الأوكرانية .
وثالثا : لديها القدرة العسكرية المتطورة .
ورابعا : لديها مصادر الطاقة الضرورية لأوروبا الغربية وعجلتها الإقتصادية .
وخامسا : لديها الصين الحليف المنافس الأقوى لأمريكا وصاحب المصلحة في التعدد القطبي , إضافة لبيئة دولية تتململ وتعاني من التفرد الأمريكي ومعنية بالتغيير .
فهل لدى الأطراف مايبرر استمرار هذه المعركة بكل متطلباتها المادية والمعنوية ؟
إذا نظرنا للدوافع فهي تشير الى صراع طويل الأمد نظرا لإستراتيجية الأهداف , وإذا نظرنا للإمكانيات فهي أيضا تشير الى صراع طويل , وإذا نظرنا للشركاء فهم بين عضوي حتى آخر المسار , وبين متضرر يمكن عند حدود معينة أن يترك القطار ويبحث عن مصالحه . وبالتالي ليس هناك من حرب أبدية , ولكن من الناحية الأخرى فإن المدى الممكن لنهايتها يعتمد على أمرين أساسيين .
أولهما : درجة احتمالية أوروبا للإرتدادات الإقتصادية ما يترتب عليها من تبعات وصمودها والتزامها الرؤية الأمريكية .
والثاني : المتغيرات في الإستراتيجية الروسية لطبيعة المعركة وآلية حسمها بعيدا أو قريبا من الحرب النظيفة كما كانت البدايات , و رؤيتها للتفاصيل الضاغطة أو متطلبات السحق العسكري والإخضاع الحياتي .
والخلاصة المؤكدة اليوم أن لا شيء يحل دون التعددية القطبية المتولدة بحالة عسر شديد , ليست الحرب الأوكرانية مفصل الحسم فيه على أهميتها من حيث السبب والنتيجة . فهناك متغيرات دولية عميقة فرضت حتمية هذا التغيير وإن لم تفرض تفاصيله . وقد بات الضرب على وتر الإقتصاد والعُملة أشد ايلاما من الضربات العسكرية , لأنها تطرق على الرأس الأمريكي مباشرة وهي نفس الأداة التي استخدمتها لإخضاع الدول المخالفة ونجحت فيها .
والصورة الحقيقية لكل ما يجري هي نموذج أوضح للحرب الكونية الثالثة التي ليست بالضرورة عسكرية تقليدية بقدر ماهي اقتصادية الكترونية و مالية تديرها مؤسسات وأجهزة ومراكز علمية وتعليمية , تستديم لسنوات من الإستنزاف تجنبا لأسلحة الدمار الشامل النووية , وتلطيفا لنتائجها على جرعات حتى يحصل التوازن الذي يفرض استحقاقاته من متغيرات جذرية
2023-01-08