“الحديقة الأوروبية” وسكان “الأدغال” المتوحشين!
أو “روبنسون كروزو” و”العبد جمعة”
نصار إبراهيم
الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، المستر أو السنيور جوزيب بوريل، وخلال كلمة ألقاها في الأكاديمية الدبلوماسية الأوروبية في بروكسل يوم الخميس 13 تشرين ثاني 2022 أطلق التصريح التالي:
إن “أوروبا عبارة عن حديقة، لقد بنينا هذه الحديقة، كأفضل مزيج من الحرية السياسية والرخاء الاقتصادي والترابط الاجتماعي استطاعت البشرية أن تبنيه، لكن بقية العالم ليس حديقة تماما، بقية العالم.. أغلب بقية العالم هو أدغال… الأدغال يمكن أن تغزو الحديقة، وعلى البستانيين أن يتولوا أمرها، لكنهم لن يحموا الحديقة ببناء الأسوار، حديقة صغيرة جميلة محاطة بأسوار عالية لمنع الأدغال لن تكون حلا، لأن الأدغال لديها قدرة هائلة على النمو، والأسوار مهما كانت عالية لن تتمكن من حماية الحديقة، على البستانيين أن يذهبوا للأدغال، على الأوروبيين أن يكونوا أكثر انخراطا مع بقية العالم، وإلا فإن بقية العالم (الأدغال) سوف تغزو أوروبا”.
هذا والله ما قاله بالضبط سنيور أو مستر “الحديقة الأوروبية” بوريل.
المشكلة أن مسيو بوريل “تناسى” أن الرفاهية والرخاء والحرية التي يعيش فيه سكان “حديقته الأوروبية”، لم تهبط من السماء، أو بسبب البستنة في تلك الحديقة بالتعب الشريف، وإنما بسبب الاستعمار الوحشي الذي قام به بستانيو ” الحديقة الاستعمارية” على مدار قرون وحتى اليوم ضد سكان ومواطني “الأدغال” الأصليين في الأمريكيتين، وآسيا، وإفريقيا واستراليا؟ بكل ما رافق ذلك من لصوصية ونهب وحشي للثروات الطبيعية (الذهب والماس والفضة واللؤلؤ، البهارات، المطاط، الخشب، النفط والغاز…)، وإبادة مئات الملايين من السكان الأصليين واستعباد عشرات الملايين (ربما لم يسمع بوريل برواية “كوخ العم توم”)، إلى جانب التجهيل والتمزيق والاحتلال والحروب وإغراقهم بالأمراض (الزهري/السيفلس، السيلان..) والمخدرات والويسكي.
في هذا السياق بالضبط وصل إلينا أيضا مشروع “الحديقة الأوروبية الجميلة” أوائل القرن الماضي لغزو فلسطين واقتلاع شعب”الأدغال” منها واستبداله “ببستانيين ديمقراطيين” من أوروبا. وفي ذات السياق أيضا جاء (في العصر الراهن) غزو أفغانستان، والعراق، وليبيا، وحرب اليمن، وتدمير سورية، وتقسيم السودان… وإفقار لبنان.
في كل الأحوال، لم يفاجئني ولم يدهشني تصريح السنيور جوزيب بوريل أبدا، الغريب والمدهش أن لا يكون كذلك، لأنه حينها سيكون مناقضا لجوهر الأشياء وحقيقتها، وومعاكسا لبديهة المقدمات والنتائج.
نعم هو الأمر كما يقول مسيو بوريل بالضبط: فكيف يمكن أن يتساوى أسياد “الحديقة” ذوي البشرة البيضاء والشعر الذهبي والعيون الزرقاء مع سكان”الأدغال” من أصحاب البشرة السوداء أو السمراء أو الصفراء وذوي العيون البنية والسوداء والمائلة؟ كيف تتساوى “الجميلة” مع “الوحش”؟ و”طرزان” الأبيض مع الشامبانزي “شيتا”، أو روبنسون كروزو صاحب العيون الزرقاء مع الخادم أو العبد الأسود “جمعة”!
لكل هذا يدعو بوريل “البستانيين” من دول الحديقة الأوروبية لتنظيم حملات “تعليم وتحضير” لسكان “الأدغال” وتقليم أظافرهم وأشجارهم في استعادة لذات الحملات التي قاموا بها قبل مئات السنين، على هامش عملية “التعليم والتحضير” هذه لا بأس بالطبع من سرقة ما تصل إليه أيدي أولئك “البستانيين أو المعلمين” من ثروات أولئك السكان، كنوع من “رسوم مدرسية”مقابل تعبهم وجهدهم في التعليم.
2022-10-20