الحداد لا يكفي .. الرثاء لا ينفع
د. عمر ظاهر
تحفر عميقا في ذاكرة التاريخ، تبحث عن حالة مماثلة انطلق فيها الشر من عقاله بهذا الشكل، واختلط بالجبن وبالخسة، وراح ينتشر كغمامة سوداء تملأ السماء، فتحجب نور الشمس، وتمطر دما، وموتا، وحرائق في القلوب. لا تجد.
ليس نادرا أن انطلق الشر من عقاله بكل قوة في هذا المكان أو ذاك من العالم، لكن الشر والجبن، والدناءة لم تختلط ببعضها إلا في وطني.
هنا استرخص الجبناء دماء أبنائنا. هنا ساحة عمل الشيطان، ومضارب زبانيته، يضربون بكل قسوة ووحشية، يضربون بكل حقد وجبن ولؤم. هنا يختلط شر الشيطان دائما بالجبن.
في كل مكان يقيم الشر أو الشيطان لبعض الوقت، ينشر الدمار والخراب، ثم يحمل عصاه ويرحل.
في أوروبا أقام قبل بضعة عقود لخمس سنوات. في رواندا أقام يوما أو بعض يوم.
لا يحلو له المقام إلا عندنا. استقر هنا، ويأمل أن يقيم بيننا إلى الأبد
هنا ولائم القتل الهمجي مسموح بها. هنا يظن العالم أننا لا ننجب إلا ضحايا لولائم الشر الجبان.
ما أشبه اليوم بالبارحة.
بالأمس تصاعد نفس الدخان من ملجأ العامرية. ضرب الشيطان هناك بكل خسة، ووحشية، فحوّل الحياة النابضة في براعم أربعمئة من أطفالنا إلى فحم بارد. شاهدنا هناك النار، والجثث، والعويل، والحزن، والعجز، والخوف.
واليوم يضربون نفس الضربة الجبانة في الكرادة. المشهد نفسه .. بعد مرور ربع قرن على وقوع تلك الهمجية.
بين الأمس واليوم رأينا الكثير من عمل الشيطان على كل شبر من أرض وطننا. لكن جريمة الكرادة شيء مختلف. إنها تحمل نفس بصمات جريمة ملجأ العامرية. ضربة جبانة، وحشية، همجية، قتل بدم بارد.
ماذا أرادوا أن يقولوا لنا في ملجأ العامرية؟
إنهم يقولون الشيء نفسه .. يذكروننا بما قالوه هناك.
قالوا لنا: أنتم أيها العراقيون دماؤكم رخيصة. أنتم لن نسمح لكم بفرحة، أو عيد، أو سلام وأمان. أنتم نضربكم ضربات تبقى تسبب لكم الألم والوجع، وتجعل دموعكم تسيل مدرارا على مدى التاريخ.
قالوا لنا: لا يعنينا من تكونوا، من أي دين، أو عمر، أو جنس. أنتم مجرد ضحايا لولائمنا.
قالوا لنا: أنتم نجعل يومكم أسوأ من أمسكم، وغدكم أسوأ من يومكم هذا.
قالوا، وقالوا، وقالوا. ولم يسمعوا ما نقوله نحن لأننا لم نقل شيئا.
آن لنا اليوم أن نقول كلمتنا، فلا نكتفي بالحداد والرثاء والحزن والدموع.
كلمتنا هي: هذا الشر جاءنا مع الاحتلال. ولن ينتهي فتكه بنا إلا بإلقاء هذا الاحتلال الجبان الخسيس بكل أشكاله ورموزه إلى خارج حدودنا، لن تنتهي لعنات الديمقراطية التي جاء بها إلينا الاحتلال وعملاؤه إلا بأن يتجرد كل عراقي من كل لقب، وصفة، وانتماء إلا من عراقيته.
كلمتنا هي: نحن عراقيون .. وعراقيون فقط. أنتم أيها الجبناء تقتلون عراقيين. ونحن سنرد عليكم كعراقيين.
2016-07-05
