الثورات ضد بني امية في عهد الإمام السجاد “ع”(مقارنة ومقاربة)..!
إنتصار الماهود
اليوم في ذكرى إستشهاد إمامنا السجاد عليه السلام، لن نتكلم عن حياته وإستشهاده بل سنتكلم عن جانب مهم من حياته الثورات التي عاصرها، والتي حدثت في عهد إمامته ضد آل أمية.
هل دعم الإمام السجاد عليه السلام هذه الثورات التي حدثت؟! وما هي أهم نتائجها؟!.
كما نعرف أن السجاد عليه السلام لم يشارك في معركة الطف بسبب مرضه الشديد، وهذا ما أسقط عنه التكليف الشرعي لحمل السلاح والقتال مع أبيه الحسين عليه السلام، وقد عاش السجاد بمضايقات وتشدد من الأمويين، طوال فترة إمامته التي بلغت 34 عاما حتى إستشهاده في 25 محرم عام 95 ه، عن عمر ناهز ال 57 عاما مسموما على يد عامل يثرب بتحريض من عبد الملك بن مروان.
لقد عاصر السجاد عليه السلام عدة ثورات إمتازت بالنهضة وصحوة الضمير والشعور بالذنب أهمها، (ثورة التوابين عام 65ه، وثورة المختار الثقفي التي وقعت بين عامي 66/67 ه، كما عاصر عليه السلام ثورات قامت برفض حكم الامويين، مثل ثورة مطرف بن المغيرة عام 77 و ثورة ابن الأشعث عام 83 ه.
لنتكلم أولا عن ثورة التوابين عام 65 ه، وهي أول الثورات النهضوية بعد معركة الطف، بدأت ب100 تائب يقودهم سلمان بن صرد الخزاعي، والذي أحس بذنب عظيم لتخاذله عن نصرة الحسين عليه السلام، وقد خرجوا بثورة إنتهت بمعركة في منطقة عين وردة في الشام، وإستمرت لعدة أيام رغم قلة عدد التوابين، لكنهم إستطاعوا المقاومة أمام جيش تعداده 20 ألفا، وقد قضى عليهم عبد الملك بن مروان وأخمدت ثورتهم، وقد أشكل الباحثون في التأريخ الإسلامي على ثورة التوابين عوامل كثير نذكر منها:
- أين كانت شجاعة التوابين حين طلب الحسين عليه السلام النصرة، ولماذا تخاذلوا عنه والآن نصروه.
- قلة عددهم فقد كان للتوابين جيش قوامه 4 آلاف مقاتل، ثبتوا من أصل 16 الفا وعدوا سلمان بمقاتلة جيش الأمويين الذي بلغ تعداده 20 ألفا.
- ضعف التوابون من الناحية العسكرية والتخطيط للمعارك، حيث وصف المختار الثقفي قائدهم سلمان الخزاعي، (إن سلمان رجل لا علم له بالحرب وسياسة الرجال ).
- تخاذل التوابون مرة أخرى من القتال، حيث لم يلتحق إلا ربع العدد الفعلي في معركتهم الفاصلة مع الأمويين، وهذا ليس بغريب عليهم فقد خذلوا الحسين سابقا.
- عدم إشتراك المختار الثقفي في القتال معهم لمعرفته بقائدهم كما أسلفنا، وكان للمختار إسم مهم آنذاك بين الشيعة، ربما لو قاتل معهم لإختلفت موازين القوى.
ثانيا: ثورة المختار الثقفي التي وقعت بين عامي 66/67 ه، في الكوفة وكانت لنصرة الحسين عليه السلام، والسبب أنه لم يشارك لنصرة الحسين عليه السلام بأنه كان مسجونا في سجن إبن زياد، وبعد خروجه بدا يحشد ضد الامويين ويتهيأ لمعركة مهمة بدأت بمحاكمة القتلة والقصاص منهم مثل، ( عبيد الله بن زياد و عمر بن سعد والشمر إبن ذي الجوشن و سنان بن انس)، وكان شعارهم (يا منصور أمت و يا لثارات الحسين )، إستطاع المختار تحقيق قسم من أهداف ثورته ضد طغيان الأمويين، وهو قتل كبار قادة جيش الباطل.
تذكر مصادر تاريخية أن المختار قد حصل على موافقة محمد بن الحنفية إبن الامام علي عليه السلام، لكن لا توجد دلائل قاطعة على ذلك، بل ذكرت الوقائع حادث حين ذهب الناس لسؤال محمد بن الحنفية عن المختار وليس عن سلمان بن صدر الخزاعي، بأن تحدث إليهم: ” إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فأحمد الله على ما آتانا وأعطانا، وما دعاكم المختار، فوالله لوددت إن الله إنتصر لنا بمن شاء من خلقه “، فقالوا هذا إذن منه ورخصة.
لقد نجحت ثورة المختار وأدت نتائج أفضل من ثورة التوابين، لو إستمرت لكنها للأسف إنتهت بعد مواجهة صادمة بين جيش المختار من جهة، ومصعب إبن الزبير بمساعدة المهلب بن أبي صفرة إنتهت، بإستشهاد المختار وإعدام 7000 من اصحابه على يد الفئة الباغية.
إن تلك الثورات المتعاقبة صحيح أنها ليست جميعها لنصرة الحسين عليه السلام، لكننا أخذنا مثالين ثورة فشلت بتحقيق أهدافها (التوابين)، وثورة نجحت في هدفها الأساس (ثورة المختار)، قَتَل من قتلوا الحسين عليه السلام، أما الباقيات ممن ذكرناهن، فقد كانت ثورات عامة ضد حكم آل أمية الملاعين لكن حققت أهداف مهدت للقضاء على الخوف من حكم الامويين وهي:
- تحطيم الإطار الديني المزيف للحكم الاموي وفضح طبيعة حكمهم الفاسد الماجن.
2.الشعور بالندم على عدم نصرة الحسين عليه السلام، والشعور بالذنب في ضمير كل مسلم عاقل وهذا الشعور، قد حفز الناس على الخروج في اكثر من مناسبة ضدهم. - الاخلاق الجديدة التي إتسم بها المجتمع الإسلامي، (أخلاق الحسين عليه السلام وصحبه وآله )، حيث أصبح الحسين عليه السلام المثل الأعلى والمعيار الاسمى لمقياس المؤمنين، وهو ماكان غريبا جدا في عهد الامويين الذين باعوا دينهم وآخرتهم من أجل الدنيا الزائفة، وأصبحت مقولة، (موت في عز خير من حياة في ذل) هي المعيار وهذا ما أراده الحسين عليه السلام للمؤمنين.
- إنبعاث الروح الجهادية الثورية بعد فترة من الجمود والتسليم، فقد حطمت الثورات كل الحواجز النفسية والإجتماعية.
لقد كان الإمام السجاد عليه السلام، لم يوافق على هذه الثورات ولم يرفض وكان محايدا، والحياد هنا لغاية في نفس إمامنا سلام الله عليه لغاية في نفسه، فالقائد المحنك ينظر الى أمور تجهلها الرعية، فكيف لو كان القائد عالم إلهي رباني؟!، حسب وجهة نظري كان الإمام السجاد عليه السلام محايدا لعدة أسباب هي:
- الإنشغال بالإبقاء على الثورة الحسينية في فكر الأجيال القادمة، وتربية وتهذيب النفوس على المباديء والقيم.
- إعداد جيل جديد من المؤمنين الذي يحملون رسالة وفكر وعقيدة أهل البيت عليهم السلام، وهي مسألة مهمة وليست هينة.
- تحضير الناس وتهيأتهم ضد الطغاة بتلقيهم رسالة الله، فالإنتصار ليس بالسيف فقط كما تعلمنا من رسالة الحسين عليه السلام، والتربية الروحية ومحاربة الإنحرافات العقائدية.
- مقاومة الفساد الذي بثه آل أمية في المجتمع وكان هدف الأمويون، تفكيك المجتمع وشل قواه وإبعاده عن فطرته السليمة.
إن الإمام السجاد عليه السلام، لم يكن ليقف على الحياد بمفهومه الذي عرفناه، بل كان على عاتقه أمر جلل أعظم من حمل السلاح، وهو جهاد الكلمة والموقف وجهاد التبيين ضد معسكر الشيطان.
2024-08-02