التوتر في الكاريبي إلى ذروته مع إعلان ترامب “اتخاذ قرار” بشأن فنزويلا!
تزامناً مع حشد عسكري في الكاريبي يعد الأضخم منذ عقود، قال ترامب أنه “اتخذ قراراً” بشأن الخطوة التالية في فنزويلا لم يفصح عن محتواه، فيما ردت كاراكاس بإطلاق التعبئة الشاملة
سعيد محمد *
دخل التصعيد الأمريكي ضد فنزويلا مرحلة جديدة من الخطورة، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه “اتخذ قراراً نوعاً ما” بشأن مسار العمل الذي ستتبعه الولايات المتحدة تالياً، وذلك تزامناً مع استمرار أضخم حشد عسكري أمريكي في منطقة البحر الكاريبي منذ عقود، وهو ما ردت عليه كاراكاس بإطلاق “تعبئة شاملة” لقواتها.
وتتركز أنظار المراقبين عبر الإقليم على الحشود العسكرية الأمريكية التي تم تجميعها قبالة السواحل الفنزويلية تحت اسم “عملية الرمح الجنوبي” (Operation Southern Spear) بزعم “تعطيل الاتجار غير المشروع بالمخدرات” وفق ما تقوله وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون).
لكن الخبراء، بمن فيهم أمريكيون، اعتبروا حجم ونوعية القوة التي دفعت بها الإدارة الأمريكية إلى المنطقة أكبر بكثير من الغاية المعلنة. ووصفه بعضهم بأنه “غير مسبوق” و “الأكبر هذا القرن”، وشبهه آخرون بالتحضيرات التي سبقت غزو بنما عام 1989.
وكانت حاملة الطائرات النووية “يو إس إس جيرالد فورد” الأضخم والأحدث في العالم، برفقة مجموعتها القتالية الكاملة، آخر الإضافات إلى أسطول بات يضم أكثر من 12 سفينة حربية، بما في ذلك مدمرات صواريخ موجهة، وطرادات، وغواصة هجومية نووية، وسفن هجوم برمائي تحمل على متنها الآلاف من مشاة البحرية (المارينز) من وحدة المشاة البحرية الاستكشافية الثانية والعشرين.
كما نشرت واشنطن 10 طائرات مقاتلة شبحية من طراز “إف-35” في بورتوريكو بالجوار، حيث أعاد الجيش الأمريكي فتح قاعدة روزفلت رودز البحرية المغلقة منذ 2004، لتكون مركزاً لوجستياً للعمليات.
ولم يقتصر الأمر على الحشد، بل سبقته عمليات تنفيذية؛ فمنذ سبتمبر، نفذت القوات الأمريكية ما لا يقل عن عشرين غارة على قوارب يُزعم أنها لتهريب المخدرات في المياه الدولية قبالة فنزويلا، ما أسفر عن مقتل حوالي 80 شخصاً في عمليات “قتل خارج القانون” أثارت إدانات دولية. وكان أبرز هذه الردود الإقليمية الموقف الذي اتخذه الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، الذي أمر بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة احتجاجاً على ما أسماه “انتهاكاً لحقوق الإنسان” في الكاريبي.
وقد أدلى الرئيس ترامب بتصريح للصحفيين يوم الجمعة حول الخطوة التالية، قائلاً: “لقد اتخذت قراري نوعاً ما… لا أستطيع إخباركم بفحواه، لكنني فعلت”.
وجاء هذا التصريح بعد اجتماعات رفيعة المستوى في البيت الأبيض، شملت وزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.
وفقاً لمصادر مطلعة، فقد قدم العسكريون مجموعة واسعة من الخيارات لترامب، تتجاوز الحصار البحري، لتشمل توجيه ضربات لأهداف عسكرية أو حكومية أو منشآت يُزعم استخدامها في إنتاج الكوكايين وطرق التهريب داخل فنزويلا، واقتراحات لاستهداف سلامة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وكان الرئيس الأمريكي قد أذن بالفعل لوكالة المخابرات المركزية (CIA) بتنفيذ عمليات داخل الأراضي الفنزويلية. ورغم أن الإدارة تدافع عن سلطتها في ملاحقة “الإرهابيين مهربي المخدرات”، إلا أن هذه الخطط تواجه جدلاً قانونياً وسياسياً متزايداً في واشنطن. وقد فشل تصويت إجرائي حديث في مجلس الشيوخ كان يهدف إلى فرض شرط الحصول على موافقة الكونغرس لأي عمل عسكري مباشر، مما يعكس الانقسام العميق حول سلطات الرئيس التنفيذية في شن أعمال عدائية غير معلنة.
في مواجهة هذا التصعيد، أعلنت الحكومة البوليفارية عن إطلاق “خطة الاستقلال 200” في تعبئة شاملة للجيش النظامي والميليشيات شبه العسكرية عالية التدريب، تشمل تأهب 200 ألف جندي. وكانت كاراكاس قد استدعت كذلك قوات شعبيّة يقدر تعدادها بمليون مقاتل على الأقل، وينفذ بعضها انتشاراً ملحوظاً في الأحياء الحضرية عبر البلاد.
وفي خطاب يعكس حالة التأهب القصوى، ندد مادورو بتدريبات عسكرية يجريها الجيش الأمريكي في ترينيداد وتوباغو المجاورة ووصفها بأنها “استفزاز عسكري” و”حرب إجرامية”. وفي خطاب له، حذر من أن أي تدخل عسكري أمريكي سيؤدي إلى “غزة أخرى” أو “أفغانستان جديدة” أو “فيتنام ثانية” في أمريكا الجنوبية، ووجه رسالة مباشرة إلى الأمريكيين قائلاً: “أوقفوا اليد المجنونة لأولئك الذين يأمرون بالقصف والقتل وجلب الحرب… أوقفوا الحرب. لا للحرب”.
وفي استعراض للدعم الداخلي، شارك مادورو (الخميس) في مسيرة بوسط كاراكاس مع عشرات الآلاف من أعضاء “لجان الشباب المجتمعي”، لدعم الاستشارات الشعبية القادمة (تصويت محلي على المشاريع) المقررة في 23 نوفمبر، في إطار ما يعرف بنظام “الديمقراطية التشاركية” الذي تتبناه الحكومة البوليفاريّة.
في المقابل، رحبت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، التي مُنحت مؤخراً جائزة نوبل للسلام، بالحشد العسكري الأمريكي ضد بلادها. وفي رسالة صوتية للسيدة التي تدعمها الاستخبارات الأمريكية دعت أفراد الجيش البوليفاري إلى الانشقاق، ووصفت نظام الرئيس مادورو بأنه “تهديد حقيقي للأمن القومي للولايات المتحدة”.
وبعيداً عن مواقف طرفي المواجهة، تكاد التحليلات تجمع على أن إزاحة مادورو بالقوة قد لا تؤدي إلى انتقال سلس للسلطة إلى المعارضة كما ترغب واشنطن. إذ أن ذلك سيترك “فراغاً” تتنافس عليه فصائل عسكرية مختلفة أو جماعات مسلحة، ما يمكن أن يقود إلى حرب أهلية مدمرة وفوضى تتوسع نحو كولومبيا المجاورة. ويذهب منتقدو سياسة “الضغط الأقصى” إلى ما هو أبعد من مجرد التحذير من “حرب أهلية”؛ ولذلك فإن “تغيير النظام” هو مجرد تعبير مراوغ عن مشروع لـ “التدمير الكامل للمجتمع الفنزويلي” لإنتاج دولة فاشلة كما في سيناريوهات العراق وليبيا وسوريا. ويستشهد هؤلاء المحللون، ومن بينهم مسؤولون سابقون في البنتاغون، بأن هذه السيناريوهات أثبتت أن “الفوضى المدارة” هي أفضل بيئة لنهب الموارد ومنع قيام أي مشروع سيادي مستقل.
ويتقاطع هذا التحليل مع مخاوف داخلية أمريكية، إذ تشير تقديرات دبلوماسيين غربيين إلى أن المعارضة الكومبرادورية في فنزويلا، نظراً لانقساماتها وافتقارها لسيطرة عسكرية على الأرض، ستحتاج إلى دعم أمريكي مستدام وربما قوات على الأرض لسنوات. وهو ما سيورط الأمريكيين في مستنقع حرب استنزاف طويلة لا ترضى عنها قطاعات عريضة محتملة من داخل قاعدة ترامب الانتخابية، التي صوتت له ليبقى خارج الصراعات الخارجية المكلفة.
وهكذا، مع استعداد القوات الأمريكية وانتظارها للأوامر، وتأهب الفنزويليين لسيناريو “الدفاع عن الوطن”، يبقى الوضع في الكاريبي شديد التوتر، حاملاً معه احتمالات خطيرة لسوء التقدير أو اندلاع مواجهة عسكرية ستكون تكلفتها عالية في الأرواح.
لندن
2025-11-19