التقسيم كاستراتيجية أميركية تستهدف العراق والمنطقة
نزار عثمان
منذ أن أعلن الجنرال أوديرنو قائد أركان الجيش الأميركي المنتهية ولايته «أن تقسيم العراق قد يكون الحل الوحيد لتسوية النزاع الطائفي الذي يمزق العراق»، انشغل الرأي العام العربي والدولي ووسائل الإعلام في تحليل مسعى التقسيم الذي تسعى إليه الولايات المتحدة للعراق ولمنطقتنا على العموم، واستدعى الأمر رداً من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي، حيث أكد عدم السماح بتقسيم العراق وسورية.
مع كون فكرة التقسيم من وجهة النظر الأميركية غير جديدة، إذ طرحها قبل أوديرنو جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، عام 2006 وفق رؤية قضت تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق: سنية وكردية وشيعية يتمتع كل منها بحكم ذاتي معللاً دعوته بأنها الحل الأفضل لتجنب تمزيق العراق عبر التوترات والعنف الطائفي، إلا أن جوب آيدن تراجع عن تصريحاته السابقة في نيسان 2015 منادياً بعراق موحد لمواجهة داعش. من هنا، هل طرح فكرة التقسيم على لسان أوديرنو أتت من فراغ؟ أم أنها رؤية أميركية واقعية جدية، تصيب بها العراق أولاً ومن بعده سورية وصولاً إلى ما تصل إليه من دول المنطقة؟
وهل من مفاعيلها كما يزعم الأميركي وقف النزف الحاد للدم؟ وأين «إسرائيل» من مثل هذا الطرح؟
لا يبدو أن الأميركي يمزح في طرح فكرة التقسيم، على رغم الاعتراض الذي جوبه به رئيس إقليم كردستان عندما طرح فكرة «كردستان المستقلة» على أوباما في لقائه معه في أيار من العام الحالي.
فهو بحسب أجندته التقسيم خير معين لتمرير سياساته ومصالحه في المنطقة والتي تقتضيها سياسة «الفوضى الخلاقة» والتي منها:
1 ـ مصلحة «إسرائيل»، فالتقسيم يحول العراق ومن ورائه البلدان العربية الأخرى المستهدفة إلى دويلات طائفية، ضارباً بعرض الحائط الوشائج وصلات القربى والتصاهر بين أبناء الوطن الواحد ومن الطوائف المتعددة، وجاعلاً من إسرائيل واحة يهودية «ديمقراطية» وسط كيانات متآكلة، آخر همها مواجهة العدو الصهيوني، بل التبعية المطلقة له سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
2 ـ إبقاء دماء شعوب منطقتنا نازفاً على عكس ما أعلن أوديرنو، فالتقسيم سيحول المنطقة إلى شبه دويلات متنازعة، وسيغذي الروح القبلية، والاقتتال الداخلي، وسيفسح بالمجال دائماً للولايات المتحدة للتدخل في سياسات بلداننا ونهب ثرواتها، وتمرير مصالحها تحت غطاء الوساطة بين الأطراف المتصارعة.
3 ـ لن يصيب التقسيم العراق وحده أو سورية تالياً فقط، بل سيشكل خطراً على تركيا التي تتعدد فيها الاثنيات، وصولاً إلى إمارات وممالك الخليج الفارسي، وعلى رأسهم السعودية التي طرح فكرة تقسيمها أكثر من مرة في أكثر من وسيلة اعلامية أميركية منها مجلة الجيش الأميركي عام 2007، وجريدة «نيويورك تايمز» الصادرة بتاريخ 29 أيلول 2013.
4 ـ السعي لإضعاف الدولة الوطنية في الشرق الأوسط وصولاً إلى إلغائها، واستبدال جيوشها بمليشيات طائفية تعيث الفوضى والعبث داخل الكيان المصطنع الذي ينشأ عن التقسيم، وما حوله.
5 ـ على عكس ما يعلنه الأميركي من سعي وتحالف للقضاء على داعش، فهو يشكل أكبر داعم له، فهو أكبر مساهم في صناعة المستقبل الأميركي في المنطقة، وفي وسط آسيا، وأكبر داعم لمصالحه وسياساته، وبالتالي إظهارها بالنتيجة الواقعية للتقسيم على أنها الممثل الفعلي لسنة العراق بحال التقسيم، إذ أن الدويلة السنية الممتدة في وسط العراق بحسب الافتراض تسيطر على غالبية مساحتها قوات داعش، بما يساهم في تقوية عودها وقوتها الناعمة وقدراتها الجاذبة لشرائح من الشباب المتحمس والمضلل في العالم العربي المأزوم هذا بعد تسجيل الاستفهامات العديدة حول خلقها وتسهيل تمويلها وما هو الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في توسعها وانتشارها. وهنا يكمن سؤال آخر، في وسط عربي مأزوم أن في سورية أو ليبيا أو البحرين أو اليمن أو مصر أو غيرها، لم وقع اختيار الأميركي أولاً على العراق في طرح التقسيم؟
وما هي خصوصية هذا البلد كي يكون على رأس القائمة الأميركية بالاستهداف؟ ينفرد العراق عن بقية الدول المذكورة أعلاه، بأنه البلد العربي الوحيد الذي احتلته أميركا احتلالاً مباشراً، وسيّرت سياساته بطريقة مباشرة، فقد خبرت عن طريق التجربة خبايا الدولة العراقية، وفهمت طبيعة شعبه وطوائفه، وهي إذ تداعب بفكرة التقسيم مطامع بعض أطيافه، فإنها تسعى لجعله بؤرة تجارب تسقط عليه رؤاها ومفاهيمها سعياً لاستصلاح الأفضل بما يخدمها، وترك الاسوأ ليعاني منه الشعب العراقي.
لكن مع هذا فقد وجهت القيادات العراقية من أبرزهم رئيس الحكومة حيدر العبادي انتقادات لاذعة إلى كلام أوديرنو ووصفه بأنه «غيرمسؤول ويعبّرعن جهل بالواقع العراقي».
ومع سعي العبادي لتطبيق رزم الاصلاحات في بلاده لا يمكن لمثل المشروع الأميركي بالتقسيم أن يقف على حده ويضرب به عرض الحائط، إلا بوحدة الشعب العراقي، ونبذه للطائفية، وعمله الموحد على مواجهة الإرهاب الذي يقضم أراضيه.
من هنا فمسؤولية العراق مسؤولية مضاعفة، فهو بمنع تمرير مشروع التقسيم ودفنه في مهده بمعاونة القوى المناوئة للمشاريع الاميركية، لا يمنعه عن أرضه فحسب بل عن دول المنطقة كافة.