التفاوض خارج الدائرة!
هاني عرفات
بالنسبة لأميركا و إسرائيل ، فإن الحرب لم تضع أوزارها بعد، وإن أخذت طابع التفاوض بالابتزاز .
يخطئ من يظن أن نتنياهو تخلى عن أهداف العدوان المتمثلة في : القضاء على حماس ، بمعنى القضاء على المقاومة ، إطلاق سراح المحتجزين الاسرائيليين ، تدمير مقومات الحياة في غزة بهدف التهجير القسري أو الطوعي ، الشكل سوف يترك للظروف في حينه ، الحيلولة دون حكم فلسطيني يوحد الضفة والقطاع ، و أخيراً الاحتلال المباشر لجزء من القطاع.
بعد أن فشلت كل محاولات نتنياهو ، في تحقيق هذه الأهداف بالوسائل العسكرية ، جاءت دعوة طرامب لتهجير الفلسطينيين من غزة ، كتكملة لهذه الحرب من خلال عملية ( التفاوض بالابتزاز) ، أي رفع سقف أهداف العدوان المذكورة بالدعوة إلى التهجير الكامل ، والهدف من ذلك، جر الطرف الآخر للقبول بأهداف العدوان الاولى.
يجب التأكيد هنا ، أن خطورة هذه الدعوة ، لا تتمثل فقط في تجاوب البعض مع هذا الضغط ، بل تحول تلك الدعوة الى سابقة لها مشروعية ما ، و تفتح شهية اليمين الصهيوني ، و تبني عليها تحضيراً لتهجير جماعي في المستقبل ، ليس فقط في قطاع غزة، بل في كل فلسطين .
من هنا تداعى العرب لعقد قمة عربية ، من المفترض أنها مخصصة لمواجهة خطة طرامب لتهجير الفلسطينيين، وتقديم خطة بديلة ، فهل يستطيع الفلسطينيون الاعتماد على ذلك؟
للاجابة على هذا السؤال علينا أن نجيب على الأسئلة التالية:
لماذا استثنى لقاء القمة في السعودية ،الذي ضم دول الخليج و مصر والأردن ، الفلسطينيين أصحاب الشأن من هذا اللقاء، ولماذا سمّي لقاءً استشاريا أخوياً ، و أحيطت نقاشاته بالسرية؟
و لماذا لم يعلن حتى هذه اللحظة عن بنود المبادرة المصرية؟
لماذا تراجع طرامب عن خطته مؤخراً بالقول أنها مجرد توصيات؟ وأنه بانتظار الخطة العربية؟
يذكر بوب وودورد الصحفي الاستقصائي الاميركي في كتابه الحرب، الذي يتعرض فيه للعدوان على غزة ، بأن أنطوني بلينكن وزير خارجية أمريكا السابق ، قال له بأن القادة العرب دون استثناء ، افضوا له خلال لقاءاته معهم ، بأنهم لا يريدون بقاء حماس ، و لكنهم تذمروا من أن نتنياهو لا يعطيهم أي فرصة للتحرك ، في ظل صور القتل والدمار في غزة، هذه الصور تثير غضب شعوبهم …
لنعد قليلاً إلى الوراء ، في الفترة الرئاسية الأولى لطرامب ، و بعد إعلانه عن نقل السفارة الاميركية إلى القدس ، و موافقته على ضم الجولان لإسرائيل ، عقدت قمة عربية في القاهرة ، و خرجت ببيان ختامي يؤكد على الثوابت الفلسطينية بالكامل ، أذكر يومها أني قلت ، يبدو أن العرب أعطوا للفلسطينيين ما يريدوا أن يسمعوه في البيان الختامي ، بينما هم سوف يقومون بفعل ما يريدون ، و بالفعل بدأت بعدها حفلات التطبيع تتوالى.
و الآن ، دعنا نجيب على الاسئلة السابقة .
ان استبعاد الفلسطينيين من اللقاء الأخوي الاستشاري ، لم يكن صدفة ، لأن الرد العربي القادم على مشروع التهجير ، يجب أن يتوافق مع ما يريده نتنياهو و بطبيعة الحال الادارة الأميركية ، ليس فقط في استبعاد حماس من حكم غزة ، بل أيضاً استبعاد السلطة الفلسطينية أيضاً ، وهذا الأمر رفضته السلطة الفلسطينية في السابق ، ولا أظن أنها كانت سوف توافق عليه ، ببساطة لأن ذلك يعني بداية النهاية للتمثيل ، ناهيك عن وحدانية تمثيل م ت ف للشعب الفلسطيني.
أما لناحية سرية و أخوية اللقاء ، فلأنها تعتمد على موافقة الطرف الأميركي عليها ، قبل صدورها للعلن ، بما فيها تفاصيل التمويل و مصادره ، و القوى التي سوف تقوم بإدارة غزة أمنياً، وهذا سبب تراجع طرامب عن خطته للتهجير بعد أن حصل على عناوين الخطة العربية ، التي تحقق الأهداف المرجوة منها أميركياً واسرائيلياً.
كنا نتمنى لو أن العرب ، سلكوا مسلكاً آخر ، يعتمد على فشل إسرائيل وحلفائها من تحقيق ( النصر المطلق ) الذي أرادوا، و أن يتم الانتقال إلى هجوم دبلوماسي يعتمد على هذا الواقع. بأن يخرجوا من دائرة الرد على خطة التهجير، التي وضعهم فيها طرامب ، إلى البحث عن حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية.
و إذا كان الاميركيون و الاسرائيليون يريدون قوة أمنية عربية أو دولية في قطاع غزة ، فمن الأحرى أن لا يقتصر الأمر على قطاع غزة فقط ، بل على كل المناطق المحتلة لفترة زمنية محددة ، كقوة حماية للفلسطينيين من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. على أن يأتي كل ذلك ، في إطار مبادرة عربية متكاملة لحل الصراع، أما التدابير ذات الطابع الأمني التي تخدم على الاحتلال وتطيل أمده ولا تنهيه ، فلا يجب أن يكون لها مكان على طاولة البحث.
لا زلت أعتقد أن قيام دولة فلسطينية مستقلة ، سوف يساهم في تعزيز الأمن القومي العربي و لا يتعارض معه، و أن هذا من مصلحة المنظومة العربية.
لكن هل هذا ممكن ، في ظل الفوضى الفلسطينية ، وحالة التبعثر و المراهنات ، على جني محصول أحرقناه بأيدينا بعد أن دفع الفلسطينيون ثمنه دماً ؟
2025-03-03