العلاقة بين النخبة والجماهير في مشاريع التغيير تثير سؤالاً متكرراً، لماذا نجحت الثورات في مجتمعات كانت غالبيتها أمية، وتفشل الثورات في مجتمعات تقل نسبة الامية فيها عن 10%؟ الثورة الروسية حدثت في مجتمع كانت نسبة الأمية فيه تزيد عن 90%، وكلاً من الثورة الهندية والثورة الصينية حصلت في مجتمعات تزيد نسبة الأمية فيها عن 90%، كما لم تكن المجتمعات في حال أحسن عشية ثورات القرن الثامن عشر.
صحيح أن الجماهير هي العنصر الحاسم الذي ينهي الاستبداد، ويمنح الشرعية للنظام البديل، ولكن النخب التي تراهن على الجماهير وتعبئها وتحشدها ببرنامج واضح للتغيير، هي العنصر الحاسم في تمكين الجماهير من الانتصار، والشرارة أو الشعلة التي توقد الطاقات الجماهيرية وتشعلها وتمكنها من تحقيق هدفها.
لقد أدى اختراع الطباعة إلى تثوير تشكيل النخب وأيضاً تثوير فاعليتها الشعبية. حيث توسعت النخبة كمياً وامتلكت وسائل لصياغة وعيها المشترك بالرغم من انتشارها جغرافياً وفكرياً، ومكن الكتاب المطبوع من تشكل النخب خارج المؤسسات الدينية والقصور والقلاع، ولكن بقيت مهمة إزاحة مركز السلطة خارج القصور والقلاع ناتج للدور التاريخي للنخبة التي تعبئ الجماهير وتحشدها. وأهمية فولتير وجان جاك روسو تكمن في تشكيل “وعي النخبة” التي صاغت “وعي الجماهير” التي اقتحمت بوابات الباستيل، وليس مخاطبة الجماهير بشكل مباشر.
في المرحلة الأولى لانتشار الطباعة ظهرت حركة الإصلاح الديني، وتلاها الثورة العلمية والتكنولوجية وتطور وسائل الإنتاج، التي أدت إلى ثورات القرن الثامن عشر وما تلاها. ولكن بقيت النخبة هي الرابط بين الفكرة والجماهير، واكتسبت دورها من كونها طليعة التغيير التي مكنت الجماهير من إدراك الفرصة واستثمارها بشكل حاسم، ولكنها ليست من يخترع السياق التاريخي لمشروع التغيير، وإن كانت تسبق في رؤيته والتبشير به، وتتحول إلى جسر لعبور الشعوب نحو آفاق جديدة.
الإعلام الجماهيري، من صحافة وراديو وتلفزيون، مكن المستبدين من تجاوز النخب الفكرية والثورية، وتهميشها والتعامل مع الجماهير بشكل مباشر. والآن يعيش العالم ذروة ثورة الاتصالات التي مكنت النخب من استعادة دورها، كنقاط تشابك تمنح النسيج الاجتماعي قوامه، ولكن ضمن شروط وقواعد عمل تفرضها طبيعة التقنية الجديدة على شكل تنظيم فاعلية النخب، فلا يمكن تنظيم العمل بذات الطريقة التي سادت في عهد الطباعة، أو في مرحلة الإعلام الجماهيري.
لذلك لم يعد الحزب بشكله التقليدي قادر على تقديم أي خدمة لتشكيل النخب فكرياً واجتماعياً. لقد “كان” الحزب اختراعاً تاريخياً مناسباً جداً في ظروف سابقة، لتمكين النخب من انجاز مهمتين: مهمة فكرية تمنح النخب هويتها من خلال المشروع السياسي (وهذه مهمة لم تعد تحتاج إلى حزب)، والمهمة الثانية أن الحزب كان منظومة اتصال (أيضاً هذه مهمة لم تعد بحاجة إلى حزب)، فهناك شكل جديد من التنظيم والاتصال تتيحه التكنولوجيا المعاصرة، يمنح النخب فرصاً هائلة، ولكن بأشكال تنظيم مختلفة تخلصهم من سلبيات الماضي، وعلى رأسها حرمان المستبدين الفاسدين من السيطرة عليهم او اعتراض مسيرهم.
وبالعودة إلى النخب والتغيير، لا بد من التذكير بأن الثورات وعمليات التغيير الكبرى لا يشارك في تنفيذها أكثر من 1% من الكتلة النشطة من المجتمع، وهناك ما لا يزيد عن 5% من هذه الكتلة يشارك في الإعداد والتهيئة للحظة الحاسمة.
ولكن يجب الانتباه إلى أن المقصود بالنخبة هو “الشبكة الاجتماعية التي لديها مشروع للتغيير” والقادرة على القيام بمهمة أو “بدور” اجتماعي سياسي في سياق مشروع التغيير. ولكن علينا أن نتذكر أن النخبة التي تذهب لإنفاذ مشروع التغيير معزولة عن شعبها، تفقد شرعيتها وتقع في مصيدة الحركات التآمرية، فالجماهير هي المصدر الحقيقي للشرعية وللقوة والقدرة على التغيير. فالهدف الثوري بإزاحة مركز السلطة من القصر إلى مؤسسات الدولة، ليس لاستبدال مستبد بآخر، بل من أجل تمكين الشعب من استرداد الدولة سلطة وموارد، وهذا يتطلب إشراك الجماهير الشعبية في عملية التغيير، لتكون قادرة على حماية مكتسبات التغيير في المستقبل ومنع هيمنة مستبد جديد على السلطة والموارد.
إن معيار كفاءة النخبة ونجاحها هو في قدرتها على تحديد الفرصة والهدف وتعبئة الجماهير وحشدها باتجاهه. إذ أن فساد الملك وعائلته، وهيمنة التفاهة والفهلوة على سلوكهم وخطابهم، أفقد النظام القدرة على تعبئة قوى شعبنا وحشدها في أي معركة. وأهم مؤشر على ضعف النظام، هو عجزه عن تعبئة الشعب في أي مشروع، ودليل هذا العجز هو الخوف من أي تجمع أو صيغة تنظيم أو تعبئة شعبية، حتى لو كانت من رموز هذا النظام. وهذا يعني بكل بساطة أن الملك وعائلته في حالة تناقض مع فكرة الدولة، وأي حديث عن الدولة الحقيقية سوف يزيد من انكشافهم، ويسهل نقل مركز السلطة إلى مؤسسات الدولة.
ولا بد هنا من التذكير بأن النخب تكتسب فاعليتها من (مضمون فكري ومشروع سياسي). فما قدمته الطباعة في القرون الماضية هو تمكين النخبة من بلورة مضمونها وتمكينها من أن تصبح “مراكب للتغير” في مجتمعاتها عبر كشف تفاهة خطاب السلطة الاقطاعية وعجزها عن استيعاب التحولات العلمية والتقنية، وأيضاً تقديم مشروعها السياسي والإداري والقانوني البديل. وهذا ما يجري مع ثورة الاتصالات المعاصرة التي سيَّلت خطاب دولة الاستبداد والفساد وسهَّلت تفكيكه وكشفت تهافته وتفاهته، وأعادت “السطوة للمضمون” في مواجهة المنصة (مهما علت)، وتحدت تفاهة الإعلام الجماهيري، ولكنها أيضاً وضعت وعي (نخبة التغيير) نفسها في حالة سيولة، وفرضت عليها التمسك بمستوى فكري ومضامين متطورة حتى يتم الحفاظ على تماسكها في مواجهة تفكك خطاب المستبد الفاسد.
اخيراً، حتى تكون “نخبة التغيير” هي المركب الصلب والآمن الذي يمكن شعبنا من المرور عبر ركام المستبد الفاسد دون خسائر وصدامات لا معنى لها، لا بد من العمل على تطوير نموذج تنظيم سياسي جديد يستثمر كل ممكنات ثورة الاتصالات المعاصرة.
معظم افراد النخبة في المجتمعات العربية الا ما ندر توظف فكرها للارتزاق وجمع المال وخذ على سبيل المثال من يطلق على نفسه بالمفكر العربي عزمي زبالة المقيم في قطر ودوره التضليلي والخطير فقد نجج من خلال قناة الجزيرة اقناع الملايين ان ما يجري في سوريا هو ثورة نقية مع علمه المسبق بانها مؤامرة لاسقاط الوطن السوري لصالح الكيان… اعتقد ان الجماهير العربية لم تصل بعد لمرحلة النضوج الكافي والمطلوب التي تؤهلها لاقيام بثورة واحداث تغيير… مصيبتنا كعالم عربي وجود شريحة نخبة لا ترغب بقيادة الجماهير وتوعيتها بقدر ما تريد ان تبيع فكرها للارتزاق مقابل تضليل الحمهور
تعليق واحد
معظم افراد النخبة في المجتمعات العربية الا ما ندر توظف فكرها للارتزاق وجمع المال وخذ على سبيل المثال من يطلق على نفسه بالمفكر العربي عزمي زبالة المقيم في قطر ودوره التضليلي والخطير فقد نجج من خلال قناة الجزيرة اقناع الملايين ان ما يجري في سوريا هو ثورة نقية مع علمه المسبق بانها مؤامرة لاسقاط الوطن السوري لصالح الكيان… اعتقد ان الجماهير العربية لم تصل بعد لمرحلة النضوج الكافي والمطلوب التي تؤهلها لاقيام بثورة واحداث تغيير… مصيبتنا كعالم عربي وجود شريحة نخبة لا ترغب بقيادة الجماهير وتوعيتها بقدر ما تريد ان تبيع فكرها للارتزاق مقابل تضليل الحمهور