التغيرات الليبرالية واليهود في الحركة الثورية الروسية!
د. سلام العبيدي
لقد تغيرت سياسة الحكومة القيصرية تجاه اليهود عدة مرات. وأصبحت اكثر ليبرالية في عهد الإمبراطور الكسندر الأول ، الذي أعفى اليهود في الأراضي التي انضمت إلى الإمبراطورية حديثا من التجنيد الإجباري. القيصر “المحرر” الكسندر الثاني هو الآخر خفف إلى حد ما القوانين المقيدة لحقوق اليهود. على سبيل المثال، سمح ببناء المعابد اليهودية خارج “حدود الاستيطان”، وبدأت تُشيد في العديد من المدن، بما في ذلك في وسط روسيا وموسكو وسانت بطرسبرغ ، وكذلك في سيبيريا، حيث يعيش الكثير من المنفيين الذين ابعدوا لأسباب سياسية.
منذ نهاية القرن التاسع عشر, بدأ اليهود يندمجون بنشاط في الحياة الثقافية للبلاد، وكان العديد من الفنانين والموسيقيين المشهورين وغيرهم من الشخصيات البارزة يهوداً. على سبيل المثال، تخرج الفنان إسحاق ليفيتان في مدرسة موسكو للرسم والنحت والعمارة، حتى انه أعفي من الرسوم الدراسية نظرا لمواهبه. يعتبر ليفيتان أحد ابرز ممثلي المدرسة الروسية للفن الواقعي.
وفي وقت لاحق ، في مطلع القرن العشرين ، تشكلت كوكبة من الكتاب اليهود: إسحاق بابل ، إيليا إيلف ، أوسيب ماندلستام. هؤلاء جميعا كانوا يمثلون الثقافة الروسية، اما الكاتب شالوم عليهم، فقد أصبح مؤسسا للأدب اليهودي بلغة الايديش.
في الوقت نفسه، بدأ الفكر الثوري ينغرس في عقول الشباب اليهود. وانخرط العديد منهم في الحلقات الثورية بما في ذلك في منظمة “نارودنايا فوليا” (“الإرادة الشعبية”)، التي كانت وراء اغتيال الكسندر الثاني في عام 1881.
في ظل القيصر ألكسندر الثالث ، الذي توصف حقبته بالرجعية، أصبحت السياسة تجاه اليهود أكثر صرامة. وشهدت ولايته موجات من “البوغروم” (“المذابح”) اليهودية، التي غضت السلطات الطرف عنها. ثمة اعتقاد ساد آنذاك بأن القيصر شخصيا كان مصابا برهاب اليهود. وتم إغلاق بعض المعابد اليهودية التي تم بناؤها، وحظر بناء معابد جديدة. وتعززت مرة أخرى “حدود الاستيطان”.
الامبراطور نيكولاي الثاني، الذي اعتلى العرش عام 1894 ، لم يخفف هو الاخر من سياسته تجاه اليهود. بسبب زيادة وتيرة التضييق ، بدأ اليهود في الهجرة بشكل جماعي. وهكذا، في عهده عمليا، بدأت أولى موجات الهجرة إلى فلسطين. في عام 1903 ، على سبيل المثال، غادرت غولدا مائير ، رئيسة الوزراء الوحيدة في تاريخ إسرائيل، وأحد مؤسسي دولة إسرائيل ، غادرت الإمبراطورية الروسية مع والديها. كانت في الأصل من كييف ، حتى أن والدها منح حق العيش خارج “حدود الاستيطان”.
الثورة البلشفية واليهود
بين الشباب اليهودي كان هناك العديد من الرومانسيين والمثاليين. لكن النضال الثوري من أجل العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان سرعان ما استدعى التحول من الرومانسية إلى العمل السري. قبل ذلك ، كان اليهود متهمين بالعيش في عزلة ، وبعدم الاهتمام بشؤون البلد بالكامل ، ثم بدأت الاتهامات بالنشاط السياسي المفرط تكال لهم. ملاحقة اليهود أدت إلى تعاظم كراهيتهم للنظام السياسي القائم في الإمبراطورية.
بيد ان المنظمات “القومية” اليهودية اعترضت على مشاركة الشباب في الحركة الثورية. وبعد مؤتمر بازل للصهيونية العالمية في عام 1897، أراد الصهاينة أن يستعد الشباب اليهود للانتقال إلى فلسطين وعدم الانخراط في الشؤون السياسية الروسية على الإطلاق.
في الإمبراطورية الروسية ايضا إنطلق الصهاينة من حقيقة أن اليهود المنتشرين في جميع أنحاء العالم يجب أن يعودوا إلى “وطنهم التاريخي” ، ولا يندمجوا في بلدان “المنفى”. ولكي يعودوا إلى فلسطين ، يجب ألا يشاركوا في الحياة السياسية للبلد الذي أواهم.
لكن العديد من الشباب اليهود اعتبروا روسيا بلدهم ، معتقدين أنه ليس لديهم الحق في التنحي جانبا عندما يتم تحديد مصير وطنهم. هكذا ظهر جيل من الثوار ، يناضل من أجل قضية مشتركة ، لم يكن الأصل اليهودي مهما بالنسبة لهم على الإطلاق. وكما قال أحد قادة الثورة البلشفية ومؤسسي الدولة السوفييتية ليون تروتسكي، فان الثورة صنعها أشخاص ليس على اساس الانتماء العرقي او الديني.
بعد الإطاحة بالقيصرية في ثورة شباط / فبراير 1917 البرجوازية، أصبح مجيء القوى الاشتراكية إلى الحكم مسألة وقت. وثمة إعتقاد سائد بأن الثورة البلشفية في تشرين الاول / أكتوبر 1917، نفذت إلى حد كبير من قبل اليهود الشباب والطموحين الذين سعوا للوصول إلى “سلالم السلطة”. من بين القادة والأسماء المهمة للثورة كان هناك العديد من اليهود: ليون تروتسكي (الاسم الحقيقي – برونشتاين) ، غريغوري زينوفييف (أبفيلباوم) ، ليون كامينيف (روزنفيلد) ، وياكوف سفيردلوف. لكن هذه السردية محض ادعاء ينسجم مع نظرية المؤامرة. قائد الثورة فلاديمير لينين حارب اي محاولة لابراز العنصر اليهودي في الممارسة الثورية، مفترضا ان الحديث عن القومية اليهودية نزعة رجعية عنصرية تتعارض مع مفهوم الأممية التي تشكل ركيزة أساسية للأيديولوجيا الشيوعية.
مساهمة أعداد كبيرة من اليهود في الثورة الروسية وفي الانتفاضات الشيوعية في ألمانيا في عام 1919 غذت نظرية المؤامرة الشيوعية لليهود، ما أدى إلى استغلالها لاحقا من قبل الدعاية النازيين التي ربطت كلا من البلشفية والشيوعية باليهود.
لقد سمحت ثورة 1917 والحكومة السوفيتية لليهود ليس فقط بالاستقرار في المناطق التي يريدون ، ولكن أيضا لأول مرة بشغل مناصب حكومية مهمة وتلقي التعليم والانخراط في أي مهنة. في الوقت نفسه ، تسبب هذا في موجة معينة من رهاب اليهود بين معارضي الثورة. على سبيل المثال، غض الطرف عن مضايقة اليهود في جنوب روسيا، الجنرال “الأبيض” انطون دينيكين، الذي قاتل ضد البلاشفة “الحمر” في الحرب الاهلية. وإذا كان رهاب اليهود في ما مضى يحمل طبيعة دينية ، فانه، بعد الثورة، بدأ يتخذ طابعا إجتماعيا (كان يُعتقد أن اليهود يعيشون بشكل أفضل على حساب الآخرين).
يذكر ان جد فلاديمير اوليانوف (لينين) من جهة والدته، ألكسندر بلانك، كان ذا أصول يهودية، وقد إعتنق المسيحية وتعمد في المذهب الأرثوذكسي في عام 1824. لينين نفسه لم يكن يعرف هذه التفاصيل. وفق الرواية المتداولة، فان لينين كان من أب روسي (إيليا أوليانوف) وأم نصف ألمانية ونصف سويدية (ماريا بلانك).
2024-01-18