التعتيم على ابطالنا القوميين !
د.صلاح حزام.
تتبارى الدول في تمجيد ابطالها القوميين وإبراز ماقاموا به من اعمال وما قدموه من تضحيات وتقيم لهم التماثيل والنُصُب التَذكارية مقترنة بلوحات تعريفية اسفل النُصب تتضمن ايجازاً لمكانة هذا البطل او الرمز ولماذا استحق التكريم من الأمة..
انه تثقيف جماهيري بهذه الرموز يعتبر بمثابة دعوة الى الاحتذاء بهم …واعادة انتاجهم ..
ناقشتُ هذه الظاهرة مع أحد الأصدقاء المحترمين، لغرض مقارنتها بما يحصل لدينا سواء في الحاضر او الماضي ..
يُلاحظ ان تاريخنا العربي الاسلامي لايذكر بالخير والاحترام كل من تجرأ على الخروج على السلطة ومقاومتها سواء بالسلاح او بالكلمة والفكر..
منهم من يُعتبر مُرتد ومنهم الزنديق ،خاصة اصحاب الفكر والرأي المُخالف، ومنهم المُندَس الذي يريد تخريب وحدة الأمة ( بأفتراض أنها موحدة)، ومنهم الخارجي والفارسي والشعوبي ومنهم الدهريون (الماديين)
ومنهم أصحاب الكلام ( الفلاسفة) ومنهم اليهود سراً والمسلمون في العلن ( طائفة الدونمة مثلاً)..
وقائمة الاتهامات تطول كثيراً..
وإلّا هل يُعقل ان امبراطوريات تحكم لقرون ( الامويين والعباسيين والعثمانيين) ولم يَخرج عليها رجلٌ شريفٌ واحد ؟؟؟
كل الثورات وعمليات التمرد كانت تُعتَبر دنيئة ومعادية ويقودها زنادقة وفاسدون !! ويستحقون القتل بابشع صورة !!!
بل ان شخصاً بمكانة الامام الحسين ، وهو يعتبر ثائراً شريفاً حتى من وجهة نظر العلمانيين والملحدين، يتعرض للتشويه والطعن بدوافعه ويُفتَك به وبعائلته بطريقة وحشية…
ويتم (انتاج) وتعديل وتنقيح عدد كبير من الاحاديث النبوية التي تُبرر قتله لانه خائن لولي الأمر !!!
بل ان قتله كان يُدرّس لنا في مادة التاريخ في المرحلة الابتدائية تحت عنوان : منجزات يزيد ابن معاوية ، حيث يُقال : إخماد ثورة الحسين!!!!!!
كم شخص خرج على الخلافة العباسية والاموية وكم حركة تمرد حصلت، ولكن لم يجرأ اي مؤرخ على القول أن الظلم المستشري كان سببا لها !! وأن الثوار كانوا على حق ..او يُقال انهم كانت لهم وجهة نظر مختلفة عن الدولة حتى لو كان الحاكم شريفاً !!
الحلاج ، وهو المفكر والشاعر الصوفي الكبير ، قُتل بشكل وحشي وتم اعتباره زنديقاً وتم تشويه سمعته كمجرم تافه.
وأُورِدُ فيما يلي اقتباساً من أحدى الدراسات عن الحلّاج :
“غلا المنكرون على الحلاج حتى كفّره طائفة من العلماء في عصره وقالوا: “قُـتِـل الحلاجُ بسيف الشرع على الزندقة”، وألّف في “زندقته” أعلام مثل الإمام الذهبي (ت 748هـ) –وهو صاحب العبارة المتقدمة- الذي يقول عن الحلاج “جمعتُ بلاياه في جزأين”. وقبله صنّف ابن الجوزي (ت 597هـ) ‘القاطع لمِحال اللِّجاج القاطع بمُحال الحلاج‘؛ ثم جاء في عصرنا المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (ت 1962م) فجعله مسيحًا ثانيًا بعد عيسى بن مريم عليه السلام.”
تجنباً للإطالة ، نعود الى العصور الحديثة ، كم مناضل قُتلَ في العراق لانه مبدئي ويعارض السلطة؟
سجلات الأمن والمخابرات وشهود العيان يتحدثون عن مواقف بطولية لاشخاص واجهوا التعذيب والبطش بشجاعة ووصلوا الى المشانق وهم شامخون ابطال ، ولكن التوثيق الرسمي يعتبرهم حفنة من الخونة والعملاء التافهين ..هذا اذا ذكرهم واعترف بوجودهم وقتلهم !!
انقلاب تموز ١٩٥٨ ، والذي يختلف عليه الكثيرون من حيث كونه ثورة ام انقلاب عسكري ، أُعتُبِر قادته ابطالاً ثوريين ومخلصين للبلد ، ولكن عندما انقلب عليهم البعثيون عسكرياً تم قتلهم باعتبارهم خونة..وزعيمهم لم يحصل على قبر !!!
انقلب عبد السلام عارف على البعثيين واعتبرهم خونة تافهين وفاسدين وفاشيست !!
كم شخص وطني تجرأ على الخروج على النظام الذي جاء بعد انقلاب ١٩٦٨، وتمت تصفيته كخائن وتدمير عائلته وسمعته ؟؟
سمعنا عن ضباط كبار ومدنيين تم قتلهم واطعامهم للكلاب بتهمة التآمر والخيانة .. والتآمر مع الاجنبي الخ..( مؤامرة الدليم ومؤامرة الجبور ومؤامرة ابن مولود مخلص وراجي التكريتي وتصفية معظم قيادة حزب البعث تحت عنوان مؤامرتهم مع حافظ الأسد ، وغيرها كثير )…هل يمكن ان يكون هؤلاء كلهم خونة وبلا مباديء ؟
وهل ان النظام كان نقياً وعظيماً ولايستحق الخروج عليه من قبل بعض الناس ؟؟
في المقابل ، تم رفع اشخاص الى مرتبة الرمز الوطني والبطل القومي والشهيد والمفكر والفيلسوف ، وهم ليسوا اكثر من حثالات شوارع ومجرمين وقتلة بلا ضمير ولاشرف ولا مباديء او قيم ..
وأنا استغرب حقاً ممن يتحدث عن أمة عظيمة ولكنها عقيمة في انتاج الرجال الشجعان وأصحاب القيم العظيمة !!!
2020-11-03