التطبيع مع الكيان الصهيوني! علي رهيف الربيعي
كتب دافيد بن غوريون في مذكراته إسرائيل تاريخ شخصي ” لعل الانتصارات التي حققها جيش اسرائيل والنجاح الذي أمكن احرازه في الاستيطان والنماء الثقافي على امتداد السنوات العشرين الماضية وكفاح الشعب اليهودي المتصل، لعل ذلك كله يبدو مع قيام دولة اسرائيل وكأنها قد وصلت الى نهاية موقف، إلا أن ذلك وهم خطير فأننا لم نستكمل بعد واجب إعادة البناء لقد بدأ تجمع المنفين تقريبا ثم إن على جيراننا ان يرضوا عن وجودنا وما زال الحلم يراودهم بتدمير اسرائيل مسيطرا عليهم على الرغم من هزيمتهم في كل مرة حاولوا فيها التدخل في شؤوننا منذ قيام دولة اسرائيل في الرابع عشر من شهر أيار / مايو سنة ١٩٤٨ حتى يومنا هذا ” (1).
ان ما يقصده بن غوريون ب” ان على جيراننا ان يرضوا عن وجودنا ” هو ما يسمونه اليوم” بالتطبيع ” إ اذ ان بن غوريون اعتبر الفترة حتى هزيمة ١٩٦٧ في إطار عملية تجمع” للمنفين ” وإثبات الوجود وقهر الجيران . اذا على الجيران ان يقبلوا لوجودهم ويرضون عن هذا الوجود، وبالتالي يتعاملون معه ب” طبيعية ” وقد أدرج الزعيم الصهيوني ذلك ضمن ” إعادة بناء دولة إسرائيل” ومن هنا تأتي أهمية وخطورة هذه المرحلة في تاريخ اسرائيل القصير وتاريخ الصراع العربي الصهيوني، إذ ان إسرائيل بذلك قد بدأت تخرج من طور الدولة المشروع الى طور الدولة الواقع ذلك أن وجود إسرائيل في المنطقة العربية كتجمع يهودي عنصري منبوذ من المنطقة ويمثل حالة صراع وحرب دائمين معها بأن إمكانية استنزافه وتصفيته نظريا وعمليا تصبح واردة ولا تعدو ان تكون مسألة زمن. ولكن ان تكون إسرائيل دولة معترف بها في المنطقة وتدخل في سلسلة من العلاقات الاقتصادية والسياسية مع جيرانها، وتخلق اواصر اجتماعية مع الطبقات الحاكمة في البلدان العربية المحيطة بها وهو ما يجعلها جزءا من نسيج المنطقة بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وذلك ما اعتبره بن غوريون ضرورة لمرحلة ” بناء الدولة” وما اعتبر مناحيم بيغن غيابه يمثل خطورة على أمن واستمرار المشاريع التوسعية للدولة العبرية وما تراه الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة حيوية لحل الصراع العربي الاسرائيلي بالصورة التي تحقق مصالحها في المنطقة، وخلق شروط استقرار سياسي بدون قضية قومية ساخنة ان ما ترفضه إسرائيل هو أن يكون في إطار هذا الحل دولة فلسطينية ولو صغيرة ومعزولة ومقيدة بقيود عسكرية وسياسية وقانونية لأن وجود كيان فلسطيني ( ولو صغير) يشكل بحد ذاته في منطقها – بداية النفي للدولة العبرية، لأنه سوف يعني ببساطة وجود شعب رغم كل القيود يرى ان هذه أرضه. ومن هنا نستطيع أن نفسر الشراسة التي يعارض بها الصهاينة مجرد فكرة الدولة الفلسطينية وان كانت دولة بهذه الشروط لا تشكل في الحقيقة خطرا كبيرا لأنها لن تعدو ان تكون معزلا فلسطينيا لا أكثر. ولكن تطرف الليكود العنصري، كما ينظر ” لنقاء” الشعب اليهودي ينظر لما يريده من ” نقاء” ” لأرض إسرائيل”.
المراجع :
(1) ديفيد بن جورون، إسرائيل تاريخ شخصي، الجزء الأول ( القاهرة : مركز البحوث والمعلومات، ص ٥٢.