البجعة السوداء في السياق الفلسطيني: من لحظة الفعل إلى مسار التأسيس!
بقلم: [خالد صالح عطية ]
في ظل عالم تتسارع فيه الانهيارات أكثر من التحوّلات، وتتهاوى فيه المعايير قبل الحدود، تبدو اللحظة الفلسطينية الراهنة وكأنها انفجار مكبوت على مدار عقود، لا مجرد حدث أمني أو ردّ فعل على انسداد سياسي. وداخل هذا المشهد، كثيرًا ما يُستَحضر مصطلح “البجعة السوداء” في الحديث عن احتمال تحوّلٍ مفاجئ يعيد رسم الخارطة. لكن القراءة المتأنّية لواقع ما بعد “طوفان الأقصى” تفرض مقاربة مختلفة: نحن لسنا في انتظار بجعة سوداء قادمة، بل نعيش تبعات واحدةٍ وقعت بالفعل، ولكننا لم نُدرك بعد عمقها التأسيسي.
الطوفان، إذًا، لم يُوئَد. بل أُطلِق، وانفجرت معه مكبوتات المشروع الوطني، وشروخ النظام العربي، وهشاشة السقف الدولي، وانهارت معه صورة الفلسطيني كضحية ساكنة، ليتقدّم لأول مرة منذ عقود كفاعل مركزي يعيد إنتاج شروط الصراع وجدول أعماله.
منذ “طوفان الأقصى”، لم يعد ممكنًا قراءة الواقع الفلسطيني من داخل صندوق أوسلو، ولا عبر مفاهيم “الضبط الأمني” و”التفاوض الدائم” و”السلطة بلا سيادة”. ما حدث كان اختراقًا بنيويًا، أعاد تعريف المشهد كله: فإسرائيل التي كانت تبدو ثابتة في موقع القوة، كُسرت صورتها؛ والمنظومة الدولية التي طالما تغنّت بالحقوق والشرعية، تعرّت انحيازاتها؛ والنظام العربي، الذي اعتاد الصمت، وُضع أمام مرآة أخلاقية حرجة. لكن الأهم: أن الفلسطيني خرج، لأول مرة منذ الانتفاضة الثانية، من موقع الانفعال إلى الفعل، ومن موقع ردّ الفعل إلى موقع المبادرة الاستراتيجية. لا على مستوى القوة العسكرية فقط، بل على مستوى المعنى: إعادة تعريف الصراع بوصفه تحررًا من استعمار إحلالي، لا مجرد نزاع حدود أو “حق العودة” المجرد من أدوات القوة.
لم يكن من المتوقّع أن تنفجر حالة التعاطف العالمي مع فلسطين بهذه السرعة والعمق، في زمن الخوارزميات واحتكار السرد الغربي. لكن ما كشفه الطوفان – ومعه الوحشية الإسرائيلية الفادحة – هو أن الرأي العام العالمي، وإن تأخّر، لا يزال حيًا، قادرًا على التحوّل إلى فاعل ضاغط، بل إلى حاملٍ جديد لقضية فلسطين. من تظاهرات الجامعات الغربية، إلى المواقف المتقدمة لبعض البرلمانات، ومن موجات المقاطعة الشعبية، إلى انفجار الحراكات النسوية والسوداء واللاتينية الداعمة لفلسطين، تبيّن أن فلسطين استعادت موقعها كقضية تحرر إنساني كونية، لا كملف حقوقي معزول. لكن هنا يظهر السؤال المحوري: هل الفلسطيني، الرسمي والفصائلي، مستعد لترجمة هذا الزخم إلى تحوّل سياسي؟ للأسف، لا تزال البنية الوطنية الفلسطينية عاجزة عن التقاط اللحظة. وذلك لا بسبب ضعف الأدوات فقط، بل بسبب غياب الرؤية، وتكلّس المؤسسات، وتحلّل النخبة من واجب التأسيس التاريخي.
حين يراهن البعض على “البجعة السوداء” كمخرج من المأزق، يفعلون ذلك من موقع العجز أو الرغبة في خلاص خارجي. لكن المفهوم نفسه، كما طوّره نسيم طالب، لا يدعو إلى الانتظار، بل إلى الوعي بأن التحولات الكبرى لا تحدث وفق الخطط، بل عبر كسر النمط. وما لم تكن هناك بنية فكرية وسياسية قادرة على استيعاب الحدث الاستثنائي، فإنه يُهدر، بل يتحوّل إلى عبء. وهنا تتجلى المفارقة: الطوفان بجعة سوداء وقعت، لكننا لم نمتلك بَعد البنية القادرة على تحويلها إلى مسار تأسيسي. لكن الأمل لا يزال قائمًا، لأن الحراكات الشعبية، والمزاج العام الفلسطيني والعربي، بدأ يتجاوز النُظم التقليدية، ويتشكّل حول مشروع تحرري جديد — لا فصائلي، ولا سلطوي، ولا عاطفي.
السياسة الأمريكية اليوم تمر بلحظة اضطراب استراتيجي. فواشنطن، التي طالما مارست دور “الوسيط غير النزيه”، لم تعد ترى ضرورة حتى لهذا القناع. دعمها المفتوح لإسرائيل، سياسيًا وعسكريًا، في وجه مجازر واضحة وموثقة، قدّم خدمة غير متوقعة للوعي العالمي: انكشاف البنية الكولونيالية للنظام الدولي. لكن الأهم أن هذا الانكشاف يتقاطع مع تآكل الهيمنة الأمريكية عالميًا، ومع تصاعد قوى بديلة بدأت ترى في القضية الفلسطينية ساحة اختبار للعدالة الدولية الجديدة. ومع صعود الخطاب التقدمي داخل بعض دوائر صنع القرار الأمريكي، وخاصة لدى الشباب وشرائح المجتمع المهمشة، بدأت فلسطين تعود إلى الفضاء السياسي الأميركي كقضية رأي عام. وهو تحوّل بطيء، لكنه بالغ الأهمية في العقود المقبلة.
الخذلان العربي الرسمي لم يعد مفاجئًا. لكن الجديد هو أن الأنظمة التي أبرمت اتفاقيات تطبيع واسعة لم تنجُ من الرفض الشعبي. كلما ازداد التطبيع، ازداد الوعي الشعبي بخطورته. وكلما صمتت الأنظمة، ارتفع صوت الشارع. لقد تحوّلت فلسطين من ورقة “شرعية سياسية”، إلى مرآة لشرعية الأنظمة ذاتها.
الطوفان فتح الباب، لكن العبور يتطلب أكثر من شجاعة. يتطلب رؤية تحررية ثالثة، تتجاوز ازدواجية السلطة والمقاومة، وتطرح فلسطين من جديد بوصفها مشروعًا تحرريًا شاملًا، متعدّد المستويات: مشروع يعيد تعريف “التحرير” لا فقط كاستعادة أرض، بل كبناء مجتمع مقاوم؛ يدمج الشتات، الداخل، والضفة وغزة، في صيغة تمثيل جديد خارج هندسة أوسلو؛ يتبنّى المقاومة كحق شرعي، لكنه يضعها داخل أفق سياسي وإنساني واسع، لا في عزلة جغرافية أو فصائلية؛ ويُعيد بناء النخبة الفلسطينية — لا بوصفها وكلاء خطاب، بل منتجي أفق.
نعم، “طوفان الأقصى” لم يكن نهاية، ولم يُجهَض. بل كان لحظة فعل كبرى تنتظر من يمنحها المعنى. لحظة لم تُقاس بحجم الردّ الإسرائيلي، بل بكسر التوازن النفسي والسياسي والأخلاقي الذي حكم الصراع لعقود. لكن كما تُعلّمنا الثورات، فإن الفعل بلا تأويل يُهدر، والتضحية بلا مشروع تذوب. إن لم تتحوّل هذه اللحظة إلى مسار، فستبقى موجة أخرى في بحر مألوف من الألم. أما إذا وُجد من يحمل المعنى، من يُعيد بناء البنية، من يُنتج مخيالًا تحرريًا جديدًا، فإن هذه البجعة السوداء لن تكون صدمةً مؤقتة، بل بداية تأسيس لعصر فلسطيني جديد: عصر الفاعلية، لا الشكوى.
لكن أي تأويل للطوفان يتجاهل حقيقة ما يجري على الأرض، سيكون أقرب إلى الترف النظري منه إلى قراءة الواقع. نحن أمام مشهد بالغ القسوة، غير مسبوق من حيث النطاق والهدف. قطاع غزة، منذ أكتوبر 2023، لا يُقصف فحسب، بل يُباد منهجيًا: تدمير شامل للمباني، البنية التحتية، المستشفيات، الجامعات، الأحياء القديمة، وكل ما يشكّل ذاكرة الفلسطيني ووجوده.
الحديث عن “حرب” لم يعد دقيقًا. ما يجري هو استراتيجية محو، لا تختلف في جوهرها عن سياسات الإبادة التي شهدها التاريخ الحديث في راوندا أو البوسنة، لكن هذه المرة تحت غطاء غربي صريح، وبتواطؤ دولي موثق.
وفي الضفة، تُستكمل الخريطة: اجتياحات ليلية، اغتيالات ممنهجة، تدمير مخيمات، واستيطان يتسارع لابتلاع ما تبقى من الجغرافيا. نحن لا نشهد “موت حل الدولتين”، بل دفنه رسميًا على يد من ادّعوا رعايته، وتحوّل السلطة إلى مجرّد جهاز إداري في خدمة الواقع الاستعماري.
هذا الواقع لا يمكن فصله عن التحليل الاستراتيجي للطوفان. لأنه إذا كانت البجعة السوداء تمثّل حدثًا مفاجئًا يعيد تشكيل المعادلات، فإن الإبادة الجارية تحاول أن تعيد تثبيت المعادلات القديمة، بقوة النار، لا بالحوار. ما تفعله إسرائيل اليوم هو محاولة لإجهاض أي أثر استراتيجي للطوفان، عبر خلق وقائع ميدانية تجعل من الفعل الفلسطيني مجرد شرارة طُمِست تحت الأنقاض.
لكن، وهنا المفارقة الكبرى، هذه الوحشية قد تكون، من حيث لا تقصد إسرائيل، البجعة السوداء الحقيقية: إذ لا يمكن لأي مشروع استيطاني أن ينجو طويلًا من عبء الإبادة العلنية. لا في زمن الهواتف الذكية، ولا في عصر الذاكرة الرقمية. وحيث تفشل السياسة، يصعد التاريخ — والتاريخ لا يرحم المجازر، حتى لو مرّت بعقود من الصمت.
إن استمرار الإبادة لا يُنهي فكرة الفاعلية الفلسطينية، بل يضعها أمام امتحان وجودي: إما التلاشي، أو التأسيس. إما استدعاء الماضي كمرثية، أو بناؤه كجذر للغد. وإن كانت السياسة الرسمية، الفلسطينية والعربية والدولية، تتواطأ مع النسيان، فإن الشعوب والمخيال الشعبي العالمي، كما أظهر، لا يزال قادرًا على حمل الرواية وتوسيع مداها، إذا وُجد من يربطها بالفعل لا بالبكاء
بهذا المعنى، فإن قراءة الطوفان كفعل مؤسس، رغم كلفته، ليست تجاهلًا للمأساة، بل تحويلًا للمأساة إلى معنى. أما ما يجري اليوم في غزة والضفة، فهو ليس نقيضًا لهذه الفكرة، بل الاختبار القاسي لها: هل نمتلك القدرة على أن نحول المحو إلى سردية مقاومة جديدة؟ هل يمكن أن تصبح النكبة المستمرة، لا فقط نكسة أخرى، بل لحظة كاشفة تؤسس لصيغة ثالثة للفلسطيني: لا سلطوي، ولا فصائلي، بل تحرري ممتد الجذور؟
ربما لا يزال من المبكر الإجابة، لكن ما هو مؤكد أن التاريخ لا ينتظر الحياد. إما أن نكون فيه، أو نُكتب على هامشه. والطوفان، مهما حاولوا طمسه، فتح للفاعل الفلسطيني نافذة في جدار التاريخ المغلق. ومن يدري؟
ربما البجعة السوداء لم تأتِ، بل نحن الذين لم نفتح أعيننا بعد لرؤيتها.
2025-09-05
