الانسحاب” الروسي من سورية علامة شؤم للسعودية وإسرائيل
د. عمر ظاهر
في بلدان الغرب يفهمون زعماء العالم بدراسة شخصياتهم دراسة معمقة من جوانب مختلفة: نشأتهم، أوساطهم وخلفياتهم الاجتماعية، كلامهم، مواقفهم، صمتهم، مدى رغبتهم في البروز في وسائل الاعلام، منطقهم، حججهم، ردود أفعالهم، قراراتهم، إلخ.
ويذهبون في محاولة الفهم إلى البحث في أمراض الزعماء، وطبيعة طعامهم، وكل التفاصيل في علاقاتهم مع من حولهم، سواء كانوا معاونين، أو مرؤوسين، أو أفراد في العائلة.
هذا ناهيك عن التجسس عليهم بشكل مباشر، أو غير مباشر، ذلك لأن فهم زعماء العالم، خاصة الخصوم، مسألة ذات أهمية قصوى في رسم سياسات بلدان الغرب، وفي التعامل مع القضايا المتعلقة بالسياسة العالمية.
هكذا فعل الغرب، على الأقل منذ زمن جوزيف ستالين، وماوتسي تونغ. لقد تعمقوا في دراسة زعماء الشيوعية حتى أنهم توصلوا إلى وضع معادلات رياضية في تحليل تلك الشخصيات والتنبؤ بسلوكاتها.
في رسم صورة دقيقة لصدام حسين كانوا، إضافة إلى كل ما يعرفونه عنه، يحللون تقاطيع وجهه، وحركات حاجبيه، وحتى توسع أو ضيق حدقات عينيه أثناء كلامه على الشاشة المرئية، ويقارنون عشرات الحالات ليصلوا من خلالها إلى تحديد وضعه النفسي، ومدى توتره، وعلاقة ذلك بالوضع السياسي والعسكري الذي كان يعيشه.
فيما يتعلق الأمر بالرئيس الروسي بوتين فإن تقاطيع وجهه لا تنفع كثيرا من يريد أن يفهمه، ويبدو أن المعادلات الرياضية أيضا التي وضعها الغرب في فهم الزعماء الروس لا تنطبق عليه تماما، فهو غامض وأشد غموضا من ستالين نفسه. هناك تقدير عام لدى السياسيين في الغرب بأن بوتين يتميز بميزة في غاية الخطورة، وهي قدرته الفائقة على المفاجأة، فقد أثبت منذ تدخله في جورجيا عام 2008، ثم في أوكرانيا، ثم في سورية أنه يفاجئ الآخرين بما لا يتوقعونه.
لذلك صار مفتاح فهم بوتين في الغرب هو توقع مفاجآته، فهو يفاجئ، ويجب أن يكون خصمه مستعدا لمفاجأة أو مفاجآت في كل القضايا.
ما هو خطير في هذه الميزة هو أن الخصم رغم توقعه مفاجأة في تعاملات بوتين مع القضايا المختلفة، يبقى لا يعرف أين، ومتى، وكيف تأتي المفاجأة.
الغرب والعالم كله تفاجأ مرة أخرى بإعلان بوتين عن “الانسحاب” من سورية (لا أحد يعرف تماما ما المقصود بالانسحاب) في وقت بدأ تدخله العسكري في هذ البلد يؤتي أكله فيفرض على الأرض واقعا جديدا لصالح الدولة السورية.
الغرب هادئ ومتماسك الأعصاب، ولا يهلل لهذا الانسحاب، ولا يبني عليه أية آمال فارغة.
أكثر ما يمكن أن يرد في تقدير الخبراء الغربيين لهذا الانسحاب هو أن بوتين ربما يخبئ مفاجأة جديدة في مكان آخر، أو في سورية نفسها.
على عكس الغرب نجد العربان يقيمون الأعراس، ويرقصون مثل القرود على أنغام الانسحاب باعتباره هزيمة لروسيا وانتصارا للإرهاب السعودي.
العربان لا يدرسون أحدا، لا أصدقاءهم وحلفاءهم، ولا خصومهم وأعداءهم. إنهم في تعاملهم مع العالم من حولهم يعرفون شيئا واحد، ألا وهو أن العالم مقسم إلى قسمين: هناك من يشترونه بدريهمات مثل نبيل العربي، وأبي الغيط، وعمر البشير، وهناك من لا يريدون التكلم معه إلا بلغة الإرهاب، فيسلطون عليه الإرهاب.
وهم يستحيل عليهم أن يعرفوا بواطن الأمور، فإذا أدار لهم فارس ظهره حسبوا أنه هرب، فتبدأ زغاريد النسوة، وتلعلع سيوف الرقصات الصحراوية، ويهرولون وراء الفارس لطعنه من الخلف دون أن يضعوا احتمالا في أنه يستدرجهم إلى الهاوية.
قال بوتين إنه ينسحب من سورية وإذا بإعلام الأباعر من أقصاه إلى أقصاه يردد شيئا واحدا، ألا وهو أن بوتين ترك بشار الأسد لمصيره “الذي رسمه أباعر على شاكلة عادل الجبير، وتركي الفيصل، وملكهم المصاب بالتوحد”، وصاروا يستعدون لمرحلة ما بعد بوتين في سورية! ويضربون أخماسا في أسداس، ومنهم من تنبأ بالمكان الذي سيذهب إليه بشار الأسد بعد أن تخلى عنه بوتين.
وجوابا عن السؤال عما جعل بوتين “ينسحب من سورية” لا تسمع منهم إلا ما يدخل السرور الكاذب في نفوسهم، فهم يؤملون أنفسهم آمالا ما أنزل الله بها من سلطان. ملخص الكلام هو أن الاعلام الإرهابي يعتبر “الانسحاب” هزيمة للاقتصاد الروسي أمام دولارات النفط السعودي التي تمول الارهاب العالمي.
وليس هذا وحسب، بل وإن الارهاب السعودي قد هزم روسيا وإيران أيضا.
بل وإن بوتين سياسي قصير النظر بحيث أنه تدخل في سورية بكل ثقله، ولم يكن قادرا على حساب النتائج فهرب ومعه الأسد أمام البعير السعودي بعد ستة أشهر.
سبحان من لم يعط بوتين عقلا كالذي أعطاه للأباعر في الجزيرة العربية.
إذا كان بوتين قصير النظر إلى هذا الحد فلنقرأ على العالم السلام، فمن يهزم أمام حفنة من الأباعر كيف له أن يغير نظام القطب الواحد الذي فرضته أمريكا على العالم؟
هؤلاء يستحقون الشفقة، لأنهم يتحدثون وكأنهم دابة الأرض خرجت لتوها إلى نور الشمس، فهي لا ترى ما حولها.
هل يستطيع هؤلاء أن يتفكروا؟ لا، على الإطلاق، وإلا لما أوهموا أنفسهم بأنهم بإرهابهم هزموا الروس في سورية، وبوتين قد أرغمهم توا على الجلوس إلى مائدة التفاوض مع الأسد.
الأولى بحكام السعودية، ومن لف لفهم، ووالاهم، وعقد الآمال الفارغة عليهم أن يندبوا حظهم العاثر، ويعتبروا مجرد الحديث عن “الانسحاب” الروسي من سورية فأل شر. الأولى بهم أن يستمعوا أولا إلى ما يقوله أسيادهم الأمريكيون عن بوتين ومفاجآته قبل أن يهللوا لانسحابه من سورية.
لقد كان أحد أهم الاعتراضات لدى الملايين من القوميين العرب على التدخل الروسي في سورية يتعلق باحتمال أن يسلب هذا التدخل سورية سيادتها، ويحد من حرية الزعامة السورية في التصرف، خاصة إزاء الموقف من إسرائيل والقضية الفلسطينية.
وكان هناك خوف لدى كثير من أنصار الشعب السوري من أن يؤدي الوجود الروسي في سورية إلى الحد من حرية حزب الله في التعامل مع أي عدوان إسرائيلي واسع على اعتبار أن روسيا، لكونها موجودة على الأرض في سورية، ستكون مطالبة دوليا بالعمل عبر الضغط على الحكومة السورية على منع اتخاذ أية حرب بين إسرائيل وحزب الله منحى كارثيا في مدى العنف والخراب، أي الحد من عنف رد حزب الله على أي عدوان إسرائيلي.
الروس معنيون تماما بكسب ثقة العرب بأنهم ليسوا قوة استعمارية تجرد الشعوب والبلدان من استقلالها، بل على العكس فهم جاءوا إلى سورية ليساعدوا الشعب السوري في الحفاظ على دولته، واستقلاله، وأمنه. وهذا هو جوهر الموضوع.
ويمكن فهم مسألة الانسحاب على ضوء الحرص الروسي على تجنب إعطاء الانطباع بأن روسيا قد استعمرت سورية، والتأكيد على أن سورية دولة ذات سيادة. لكن لماذا التأكيد في وقت حرج بالتزامن مع الحديث عن المفاوضات بين الدولة السورية وأعدائها الأدوات بيد السعودية؟
الجواب واضح، وهو أن الحلم الارهابي في سورية قد انتهى، واستيقظ العربان على واقع أن النظام في سورية قد بقي صامدا رغم خمس سنوات من الارهاب.
بعبارة أخرى أن السعودية وشقيقتها التوأم إسرائيل قد هزمتا. بل إن الحرب على سورية قد أفرزت أوضاعا تمهد لتصالح سوري تركي قريب.
مثل هذا التصالح لن يستطيع الأباعر التنبؤ به مع أن أمورا كثيرة تشير إلى قرب مثل هذا التصالح، ومنها تصاعد الارهاب ضد تركيا.
تركيا باتت مدركة تماما أن جزء كبيرا من أمنها يتوقف على وجود دولة قوية في سورية الموحدة – الأمر الذي دلل عليه البيان الختامي لزيارة رئيس وزراء تركيا إلى إيران قبل بضعة أيام.
هل ستستلم الشقيقتان، السعودية وإسرائيل؟ أبدا. هناك أمل أخير يتمثل في شن حرب سعودية أباعرية إسرائيلية على سورية ولبنان.
ويبدو جليا أن لدى الروس شعورا قويا بقرب اندلاع مثل هذه الحرب الشاملة نتيجة اليأس الذي يشعر به حكام السعودية من مشاريعهم في سورية واليمن، ورغبتهم في المقامرة بحرب واسعة على سورية وعلى حزب الله. والروس يعرفون بكل تأكيد أن إفشال هذه الحرب يكون عن طريق رد مزلزل من قبل سورية وحزب الله.
أليس هذا هو الوقت المناسب لتأكيد كون سورية بلدا لم يفقد استقلاله بالوجود الروسي على أرضها؟
الانسحاب هو في الحقيقة رسالة من القيادة الروسية إلى جهات عديدة، بينهم القوميون العرب المتضامنون مع سورية وحزب الله، بأن تحالف روسيا مع سورية لا يسلب الأخيرة استقلالها، وكذلك فإن روسيا لا تنوي تقييد حرية القيادة السورية وقيادة حزب الله في التعامل مع العدوان المرتقب.
الانسحاب الروسي هو إعلان عن أن روسيا لن تتحمل مسؤولية الرد السوري اللبناني على أي عدوان، فهي ستتصرف في ظل العدوان كأنها غير موجودة في سورية، ولن تتعرض أو تخضع لأي ضغط دولي للجم صواريخ حزب الله التي ينتظر ملايين العرب أن تنزل منها على الرياض أضعاف ما ستنزل على تل أبيب.
إن كان في رأس البعير عقل لتمنى بقاء الروس في سورية بدلا من التهليل لانسحابهم.