الانتقال من الاحتجاج إلى الثورة 2-2!
جمال الطاهات
الانتقال من الاحتجاج إلى الثورة تشكل تحت ضغط استعلاء المستبد الفاسد وعائلته، وتجاهلهم للمطالب الشعبية، وإصرارهم على الوعود الكاذبة، وتفننهم بالتنكيل بالمحتجين، ليستمروا بنهب ما يستطيعون نهبة من موارد مالية. مما فرض على الحركة الشعبية الديمقراطية البحث عن خيار يتجاوز منطق الاحتجاج وبدء العمل على تطوير خيار التغيير الثوري. فالبحث عن الخيار الثوري لم يكن نتيجة نزق، ولا نمط تفكير، بل هو ثمرة اجهاض الحركة الاحتجاجية والبطش بها، وتجاهل كل المطالب الشعبية التي عبرت عنها.
إلا أنه من الضروري التوقف عند شكل البديل الثوري ومضامينه وآليات عمله، حتى لا يكون منتج تصورات نظرية وتجريدية عن الواقع والمستقبل. فالحركة الثورية يجب أن تعمد إلى خيارات وآليات عمل موضوعية، يتم اشتقاقها من أجل اضعاف المستبد الفاسد وعائلته، وتقوية الحركة الشعبية، وصولاً إلى لحظة الحسم القريبة بإذن الله.
ومن الضروري التمييز بين اليوتوبيا (الحالة المثالية البديلة) والتي يتوق لها الشعب الأردني، وبين الأدوات الثورية التي تفتح المسارات نحوها. فالمستقبل الذي تحلم به الشعوب، لا يتحقق من خلال الفعل الثوري، بل “يبدأ بالتحقق” بعد إنجاز المهمة الثورية والتي تتمثل بالتخلص من العقبات التي تمنع المستقبل وتغلق المسارات نحوه بالاستبداد والفساد. فالفعل الثوري يفتح الطريق نحو المستقبل وليس هو المستقبل. ومن منظور ثوري فإن احتكار المستبد الفاسد وعائلته للسلطة، وتسويفه وكذبه وخداعه، هو ما يمنع تحول الأردن إلى دولة ديمقراطية غنية ينعم أبنائها بالحرية والرفاه. فالحركة الثورية مهمتها تمكين الشعب من استرداد الدولة سلطة وموارد عبر التخلص من العقبات التي تمنع الشعب من بناء الدولة الحقيقية التي يسعون إليها.
والخيارات والأدوات والأفعال الثورية الملائمة، لا يتم اشتقاقها من أفكار ومقولات عامة، بل من الإجابة على سؤالين: كيف سيتم اضعاف المستبد الفاسد وعائلته وحرمانهم من مصادر قوتهم؟ والسؤال الثاني متعلق بالخصائص الموضوعية للقوة الشعبية، وكيف سيصبح الشعب قادراً على باسترداد دولته سلطة وموارد بشكل سلمي، لضمان أن تكون المسيرة نحو المستقبل سلمية وبلا دماء. اشتقاق الخيارات الثورية يتطلب فهم الواقع الموضوعي بمكوناته الحالية (كما هي)، وليس البحث في المخزون الفكري الأيديولوجي، إسلامياً كان أو ماركسياً.
الفكرة الإسلامية تتحدث عن ملامح الدولة التي يمكن أن تحقق (دولة الخلافة)، ولكنها لا تقدم الطريق الذي يمكن اتباعه للوصول إلى هذه الدولة في ظل خصاص القوى المعاصرة والخرائط التي تصف العلاقة فيما بينها. ولنتذكر بان الله سبحانه وتعالى لم يمنح نبيه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) أي معجزة تمكنه من تحقيق النصر خارج القواعد الموضوعية لإدارة الصراع. ومن جهة مقابلة، فإنه وبالرغم من الشحنة الثورية في الخطاب الماركسي، إلا أنه لا يوجد تصميم ماركسي للثورة يمكن تطبيقه في كل زمان ومكان. فكل ثورة هي بنت لحظتها التاريخية، ولا يمكن تطبيق نموذج ثوري خارج سياقه وزمانه.
إذ أن أبرز ما وصفت به الحركة الماركسية نفسها، هو أنها “اشتراكية علمية”. وقد وضح ماركس بما لا يدع مجالاً للشك، بانه “إذا كانت الماركسية أيديولوجيا فإنه ليس ماركسياً”. ففي اللحظة التي يتحول الفكر الماركسي إلى أيديولوجيا بفقد ميزته العلمية والعملية، من حيث إن مهمة الفكر تغيير العالم وليس وصفه، وذلك بالبحث عن وسيلة لتعديل حركة العالم، من كونه “كان يمشي على رأسه ليعود للمشي على قدميه” كما قال ماركس. وهذا يعني استمرار التمسك بفهم الواقع (ووصفه) كما هو “كمرجع” لتبرير الخيارات الثورية.
أي أن مهمة الفكر من وجهة نظر ماركسية (ليس الاحتجاج ضد الواقع)، بل هي التقاط الخصائص الموضوعية للواقع ومعرفة القواعد والقوانين الناظمة لحركته، من اجل اشتقاق الخيارات التي من شأنها تغييره وجعله أكثر إنسانية، لإنهاء “تغريب الإنسان عن واقعه”. فلا يمكن انتهاء تغريب العمال عن ناتج عملهم، وانهاء تغريب الشعوب عن اوطانها، إلا بفهم حركة الواقع كما هي، واشتقاق الخيارات والأفعال والاولويات المناسبة لإعادة الأمور إلى نصابها الإنساني السليم. وبالتالي فإن فرض الخيارات على الشعوب انطلاقاً من مقولات أيديولوجية عامة، دون تمحيص لموازين القوى على الأرض، هو خيانة للإسلام اولاً، وخيانة للماركسية، وخيانة للشعب الأردني واستهانة بدم أبنائه.
الفهم الموضوعي لفرص التحول الثوري ومتطلباته وشروطه يتطلب استيعاب ثلاث نقاط. اولاً : الأردن ليس على كوكب المريخ، وهذا يتطلب الربط بين الواقع المحلي والسياق العالمي، ثانياً: التحولات في علاقات القوى على المستويين الإقليمي والعالمي استحقاق موضوعي للتغير في وسائل الإنتاج ثالثاً: أدوات وطرائق العمل السياسي القديمة عفى عليها الزمن، ولا يمكن تحقيق النصر دون فهم عميق للممكنات السياسية التي تتيحها التقنيات المعاصرة. وفهم هذا المثلث واشتقاق الخيارات للمضي قدماً على مسارات التحول السلمي والآمن نحو أردن المستقبل مهمة تتجاوز قدرة أي فرد أو حزب تقليدي أو جماعة عمل فكري معزولة عن الفعل السياسي، ويتطلب انجازها مجموعة عمل تسعى لإنضاج الخيار الثوري عبر تصميم برنامج عمل للانتقال من العمل الاحتجاجي للعمل الثوري، وتوضيح متطلبات إنضاج الخيار الثوري ونجاحه، كبديل لنشوء الحزب المركزي. وعندما تنضج الخيارات الثورية، يمكن لأي مجموعة عمل محلية أن تتابع مسيرتها، وتقديم مساهماتها، بالطريقة التي تراها ملائمة دون الحاجة لقيادة مرجعية مركزية.
أخيراً، إن العمل على صياغة الخيار الثوري، وجعله ممكناً ضمن الوسائل والأدوات السلمية المتاحة، يتطلب إشراك أكبر عدد ممكن في مناقشة هذا الخيار وانضاجه، للتوصل إلى الوسائل والأدوات وآليات العمل الضرورية، لضمان أن يكون الخيار الثوري سلمياً. فتطوير منظور ثوري جديد وابداعي للتخلص من العقبات، يتطلب تعزيز “وضوح الأهداف” بتوضيح المسارات والوسائل والأدوات، وضوحاً كافياً لجماعات العمل الديمقراطي للمضي قدماً في مسيرتهم بشكل مستقل عن أي قيادة مركزية.
2023-10-01
