الانتخابات العراقية … 6!ابو زيزوم
آفاق التغيير
استسلام المجتمع يختلف عن استسلام الدول والجيوش . الجيش اذا استسلم يلقي سلاحه ، اما المجتمع فيلقي عقله وينام زمناً طويلاً قد يمتد قروناً . خذ مثلاً مجتمعنا في العهد العثماني ، هل تعرف مفكراً او شاعراً او فناناً او خطيباً ينتمي لتلك الفترة الممتدة لبضعة قرون ؟ الانتاج الثقافي لأمتنا طوال تلك القرون لا يعادل انتاج سنة واحدة من العصر العباسي او صدر الاسلام او حتى الجاهلي . من علامات الاستسلام المجتمعي شيوع مقولات استسلامية جاهزة يختبىء وراءها الناس فيريحون عقولهم من جهد التفكير الحقيقي المبدع . فمقولة ان كل شيء بيد امريكا على سبيل المثال لا الحصر نموذج لتبني حالة الاستسلام والانكفاء . يتداولها الجميع كإحدى المسلمات ويثقون بها مع الزمن ثقة عمياء الى ان تصيبهم هزة بانهزام امريكا في مكان ما من العالم . عندها يشعرون للحظة بأن نظريتهم الراسخة تواجه تحدياً . ليس سهلاً عليهم الاعتراف بأن نظرياتٍ رددوها ودافعوا عنها زمناً طويلاً كانت مجرد اوهام ، فالاسهل من ذلك على النفس إنكار الهزيمة الامريكية ومنحها تفسيرات تقلبها الى انتصار . حتى عندما تقول امريكا انها انهزمت وتشرع مؤسساتها بالتقييم والمحاسبة يصر بعض العرب على ان ذلك غير صحيح وأمريكا لا تُهزم .
من مقولاتنا الاستسلامية الشائعة اليوم أن الانتخابات مزورة ولا أمل في التغيير . يرى القائل بكلتا عينيه ان سياسيين من ارفع المستويات يسقطون لأن الجمهور لم يصوت لهم بينما يفوز اشخاص عاديون صوّت لهم الناس ومع ذلك لا يتزحزح عن مقولته ، والسبب ان الاقرار بإمكانية التغيير من خلال الانتخابات يترتب عليه العمل الجاد والبحث عن الوسائل الصحيحة وإعمال الفكر وتلك امور يهرب عنها المستسلم ويختبىء خلف مقولة جاهزة تختصر له طريق السكون .
في ايران أيّد الشعب الثورة الاسلامية تأييداً منقطع النظير ، فكانت علامة فارقة في تاريخ المنطقة ، ثم تجاوزها في زمن قياسي وبدأ ينزع الى دولة مدنية من نتاج حضارته . وهناك شواهد صارخة تقول لو اتيح للإيرانيين اليوم الاستفتاء على شكل النظام لسقط الاسلاميون . اما في العراق فإن الاسلاميين الحاكمين لا يحملون من الاسلام سوى العناوين وبعض المراسيم والطقوس . وكان اجل الانقلاب الشعبي عليهم لا يتجاوز بضع سنين . ولغرض تفادي هذا التحول الشعبي المتوقع تم توظيف الطائفية وتأجيجها . فالطائفية هي الفكرة الوحيدة التي تجعلك تصطف وراء الفاسدين من طائفتك لصد الطائفة الاخرى . ونجحت الخطة في إطالة عمر النظام السياسي سنوات اضافية . وكان مخططاً لها ان تستمر اكثر لولا بعض الاخطاء غير المحسوبة في الجانب السني من المعادلة كادت ان تفسد الطبخة كلها ، وهو ما سنوضحه في المنشور القادم .
عدا الحالة الثورية التي تتولد في المجتمع وفقاً لقوانين لا يتسع لتفصيلها المقام فإن الشعوب تقبل بالبديل السلمي للتحول وإن كان متواضعاً . أما أن يُغلق الباب تماماً فإن الانفجار يصبح وارداً ولو بعد حين . وقد شرحنا كيف ان النظام السياسي في العراق ديمقراطي مع وقف التنفيذ . حتى يئس كثيرون من جدوى الانتخابات . وهذا اليأس سلاح ذو حدّين . فإذا شعر بعض اصحاب القرار انهم في مأمن يكونون قد ارتكبوا خطأً مميتاً . وسنعود الى فرص التغيير بعد إيضاح ما قبلها .
_____ يتبع
( ابو زيزوم _ 1102 )
2021-09-27