الانتخابات العراقية… 2!
اضحوي جفال محمد*
لو طُبق قانون انتخابي واحد في دولتين متجاورتين فإن التجربة لن تتطابق وانما تظهر فروقات واضحة بينهما. حتى إذا افترضنا ان التطبيق كان سليماً تماماً في الحالتين فإن الاختلاف سيظهر منذ الايام الاولى ويتكرس كلما تقدمت التجربة. فالقانون ليس كل شيء في العملية بل تتكون إلى جانبه تقاليد انتخابية تنبت من الواقع الاجتماعي وتواصل النمو.
الجانب القانوني في الانتخابات يبدأ من دخول الناخب إلى مركز الاقتراع وينتهي بخروجه من المركز بعد دقائق وقد تزيّن إصبعه بالحبر، وكل ما سبق ذلك من جهود ونشاطات امتدت شهوراً غير منصوص عليها في القانون. القانون رسم حدوداً للدعاية يعاقب الخارجين عليها، أمام داخل نطاقها فاعمل ما تشاء. ومن المؤكد ان يعمل المرشحون وداعموهم كل ما يستطيعون للتأثير على الناخب كي يمنحهم صوته، ويتم ابتكار أساليب كثيرة لبلوغ الهدف.
هذه الجهود والتأثيرات ليست خروجاً على القانون وانما مكملاً له، ولا يخلو منها نظام ديمقراطي في العالم. فقد شهدنا في الانتخابات الأمريكية الأخيرة ان الملياردير إيلون ماسك نظّم مسابقة يانصيب يومية جائزتها مليون دولار للذين يصوتون لترامب بريدياً، فصوّت كثيرون لترامب طمعاً بالجائزة التي يفوز بها واحد في نهاية كل يوم ويشترك فيها الآلاف. وعندما اشتكى الديمقراطيون رفضت المحكمة شكواهم وقالت ان القانون لا يمنع ذلك.
عندما يشتكي شخص عراقي على عراقي آخر لأنه طعن في نسبه فإن القاضي يعاقب الطاعن.. لكن القاضي ذاته لو انتقل للعمل في دولة غربية وعُرضت عليه قضية مشابهة فإنه لن يعاقب المشتكى عليه لأن الطعن في النسب لا يُعتبر إهانة في الأعراف الاجتماعية هناك.
في التجربة الانتخابية عندنا ظهرت تقاليد كثيرة في أساليب التأثير على الناخب للحصول على صوته، من بينها دور المال السياسي. في البداية قبل عشرين عاماً لم يكن المرشح مضطراً لانفاق أي مبلغ مالي على حملته الدعائية، وأكثر من ذلك ليس مضطراً حتى لتقديم وعود، فالجمهور الداعم له يصوت على اساس المعرفة والثقة. أما الان فلا يمكن مجرد تصور حملة دعائية من غير مال وفير يتدفق بين يديها وصفقات تبرم في كواليسها. ولا معنى للإكثار من الكلام حول هذه الظواهر ومحاولة انتقادها، فقد اصبحت جزءاً من الواقع كأي عرف اجتماعي يتعامل معه الناس حتى الذين يقولون بعدم صوابه.
تقاليد المجتمع ليس لها مشرّع يصدرها او يلغيها او يعدّل فقراتها بين حين وآخر، انما هي نتاج جماعي مصدره العموم. كذلك التقاليد الانتخابية عندنا لا جدوى من بحث الخطأ والصواب فيها والجيد وغير الجيد، غير أننا نحتاج دراسة أثرها على مسيرتنا الديمقراطية.. وهل لها دور في تعطيل العمل البرلماني او حرفه عن أداء دوره الطبيعي، وهو ما نتوقف عنده ضمن سياقه من هذه المقالات.
___ يتبع
( اضحوي _ 2271 )
2025-11-04