مخطيء من يظن ان الدعم المادي للحكم الخليفي يكفي لبقائه.
فالانظمة لا تبقى بالقوة المادية وحدها. فما دام هناك من يشعر بالظلم ويصر على استعادة حقه فلن يستطيع احد اخماد صوته او قمع حراكه.
فها هو الكيان الصهيوني مدعوما بالولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، عاجز عن كسر ارادة الشعب الفلسطيني الذي يصر على تحرير ارضه واخراج المحتل منها. ولم يستطع النظام الشيوعي في افغانستان البقاء في الحكم برغم تدخل القوات السوفياتية بكل ثقلها لدعمه. اما الحكومة اليمنية السابقة التي ترأسها عبد ربه منصور هادي فقد فشلت في العودة للحكم برغم الحرب السعودية التي تساهم فيها دول عديدة وتدعم بجسر جوي من الاسلحة الغربية.
فما دام الشعب اليمني رافضا تلك الحكومة فان التدخل الاجنبي لن يستطيع كسر ارادته.
الامر نفسه ينطبق على الوضع البحراني الذي يناضل فيه الشعب من اجل تحرير بلده من الاحتلال السعودي واسقاط نظام الحكم القبلي المتخلف واستعادة حق تقرير المصير واختيار نظام حكم عصري بعيدا عن الاملاء الخارجي.
من هنا اصبح امرا مؤكدا ان البريطانيين مخطئون جدا بدعمهم غير المحدود لعصابة مجرمة اعلنت حربا شاملة ضد سكان البلد الاصليين.
وبرغم ما يعرف عن بريطانيا وحنكتها السياسية فان حكامها الحاليين يغامرون بمستقبل علاقاتهم مع شعوب الخليج بتحالفهم مع انظمة هي الأسوأ في العالم والاكثر تخلفا. وزارة الخارجية البريطانية تعمل ليلا ونهارا لدعم تلك العصابة، فتدعمها بالخبرات الامنية، وتدافع عنها في المحافل الدولية، وتستهدف المعارضة بشتى الاساليب. وفي الشهر الماضي سعى البريطانيون لتلميع صورة ديكتاتور البحرين بالسماح له بحضور سباقات الخيل بمضمار ويندسور الى جانب الملكة، الامر الذي اغضب المنظمات الحقوقية ودفع بعض الاعلاميين للكتابة الناقدة لتلك السياسية.
ما مصلحة بريطانيا ان ترتبط ملكتها بزعيم قبلي يمارس ابشع الجرائم ضد الانسانية ويصر على ممارسة التعذيب بشكل يومي، وسجن المعارضين مئرات السنين.
ما الذي ستجنيه بريطانيا من استمرار تحالفها مع قبيلة تنتمي للماضي ثقافة وحكما وانماط حياة، وتمارس السلب والنهب بدون حساب؟
أليس من مصلحة بريطانيا والعالم ان يحصل توافق دولي لتحديث انظمة الحكم في العالم ونشر الديمقراطية بديلا للاستبداد والحكم القبلي؟
أليس مما يتطلبه الامن الدولي ان يستهدف التحالف غير المقدس الذي تقوده السعودية ويروج الفكر المتطرف ويدعم الارهاب ويستهدف الشعوب ويمارس ابشع انتهاكات حقوق الانسان؟
البريطانيون مخطئون اذا كانوا يعتقدون ان حصر قضية البحرين المتمثلة بالصراع بين العصابة الخليفية والسكان الاصليين (شيعة وسنة) تختزل بتوصيات بسيوني.
في الشهر الماضي تمخص عن عقلية التآمر والتخطيط المعادي للشعوب فكرة مفادها ان الحصول على شهادة حسن سلوك من السيد شريف بسيوني سوف يوفر لبريطانيا شعارا جديدا يعيد الشرعية الدولية لنظام حكم مرفوض على الصعدان السياسية والحقوقية والاعلامية. فجاءت زيارة بسيوني للبلاد برعاية رسمية ونشر الاعلام الخليفي تصريحات مزورة منسوبة اليه للامعان في الدعم غير المشروع لعصابة ما برحت تمارس التضليل وتزور الحقيقة.
بريطانيا تعرف قبل غيرها ان توصيات لجنة بسيوني لم تنفذ لان ذلك امر مستحيل. يعرف البريطانيون ان اعتقال المعذبين، ومن بينهم افراد متنافذون من العائلة الحاكمة ام لن يتحقق، وان وقف التعذيب مستحيل، وكذلك الاعتقال التعسفي والسماح بحرية التعبير والتجمع والانتماء. يعرف هؤلاء ان الاستبداد لا ينسجم مع القيم الديمقراطية، وان الحكم القبلي لن يسمح يوما بنظام حكم تعددي يختار الشعب فيه ممثليه لحكم البلاد وادارتها.
يعرف البريطانيون ان رئيس وزراء البحرين مستمر في منصبه منذ 45 عاما، ولا يوجد في الافق ما يوحي بانه سيتركه في المستقبل المنظور، وان الديكتاتور هو الذي يمسك بزمام الحكم ويعين الحكومة والوزراء، وانه المسؤول الاول عن الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان. ويكفي ما جرى بعد اطلاق سراح المواطنة السيدة ريحانة الموسوي بعد ان قضت ثلاثة اعوام وراء والقضبان.
هذه السيدة تعرضت للتعذيب والمعاملة الوحشية ما يكفي لاسقاط النظام ومحاكمة مسؤوليه ابتداء من رأس الحكم. وبناء على المشورات البريطانية شكل الطاغية لجانا للتظلمات وحقوق الانسان، ولكن حين لجأت ريحانة لهذه المؤسسات مارست بحقها ابشع من التعذيب الجسدي والاعتداء الجنسي الذي مارسه الجلادون، وذلك بتكذيب روايتها جملة وتفصيلا. فهل يعقل ان يحكم الخليفيون لمواطن بحراني ضد احد عبيدهم؟
ماذا تعني هذه التطورات؟ ثمة امور عديدة يجدر الاشارة اليها:
اولا: ان التيار الثوري يرفض بقاء الحكم الخليفي، وانه لن يتراجع عن هذا الموقف ابدا، بل سيعمل لضمان حرية� الشعب من الاحتلال السعودي والاستبداد الخليفي معا، لقد تعلم الشعب من تجارب الشعوب الاخرى المعاصرة بان القبول بنصف ثورة يؤدي الى هزيمة الشعب الذي يدفع الثمن مضاعفا.
هذا ما حدث في كافة لدان الثورات، حتى تونس التي يروج الغربيون انها ثورة ناجحة تصلح ان تكون مثالا للبلدان الاخرى. فبعد ان عاد رموز العهد السابق الى الحكم وفي مقدمتهم رئيس الدولة أعاد النظام ألجديد القديم تمثال الحبيب بورقيبة الى ميدان وسط العاصمة بعد 29 عاما من ازالته. وكذلك الامر في مصر.
اما ليبيا فقد تحولت الى بلد يعاني من الفوضى والعنف ويواجه خطر التمزيق. وعندما اراد شعب اليمن استكمال ثورته تدخلت السعودية وحلفاؤها لضربها بوحشية غير مسبوقة. وبقيت ثورة البحرين التي استعصت على محاولات قوى الثورة المضادة، ورفضت انصاف الحلول، واصرت على سقوط الحكم القبلي الخليفي. وما يزال ابناء البحرين يدفعون الثمن مضاعفا لصمودهم ووعيهم ومبدئيتهم. ويوما يعد آخر تزداد القناعة بامرين:
استحالة التعايش مع نظام رجعي متخلف، وحتمية النصر لانه وعد إلهي ولا يخلف الله وعده.
ولذلك يتواصل صمود البحرانيين مع تصاعد القمع الخليفي الذي اصبح واضحا انه خسر المعركة الاخلاقية والسياسية.
فما ان ظهر طاغيته بجانب ملكة بريطانيا في مصمار سباق الخيل بمنطقة ويندسور حتى تعالت صيحات الحقوقيين والاعلاميين ضد السياسة البريطانية التي تتحالف مع الطغاة والديكتاتوريين.
وفي محاولة يائسة لتغيير الحقائق وتضليل العالم جاء الخليفيون برئيس لجنة تقصي الحقائق السابقة للحصول منه على شهادة حسن سلوك وسيرة، ولكن بدون جدوى،
ثورة 14 فبراير ليست كم سبقها من الانتفاضات. فهي اشمل واوسع واطول. كما انها قدمت ضحايا اكثر واظهرت بشكل ابشع الوجه القبيح للعصابة الخليفية.
يضاف الى ذلك ان رموز الثورة يحملون معهم تجارب الماضي، ويعلمون انها الفرصة الاخيرة للتغيير وانه لا مجال للتهاون في المطالب او المساومة على ما هو حقوق ثابتة للشعب. هؤلاء القادة يعرفون ان الخليفيين لا يقبلون من اي مواطن او اية جهة الا الاستسلام الكامل، فرؤساء الجمعيات السياسية اعتقلوا بسبب تصريحاتهم ومواقفهم، والنساء تعرضن للاعتداء لانهم يحملن في ارحامهن جنود المستقبل الذين سيكونون اشد رفضا للحكم الخليفي. ولهؤلاء الرموز تجربة مرة مع الطاغية لم يمر عليها وقت طويل. فانقلابه على الدستور والميثاق الذي وضعه قبل خمسة عشر عاما مانع حقيقي امام اية محاولة للتعايش معه وعصابته.
فلا يمكن القبول بالمخادع والكذاب ومن يخلف الوعود والمتآمر على الحقيقة ومن سلم سيادة البلاد للاجنبي وجاء بوقات الاحتلال.
هذه حقائق لا يستطيع الرموز والقادة والعلماء والثوار والاطباء والرياضيون تجاوزها.
انهم يعلمون ان ما عانوه من مصائب في السنوات الخمس الماضية سيتكرر مستقبلا بشكل حتمي اذا بقي الطاغية وعصابته في الحكم.
ولذلك فرفض النظام الخليفي والصمود في المواقع والصبر على البلاء وعدم استعجال النتائج هو الموقف الوحيد امامهم.
يعرفون ان هناك من باع نفسه للشيطان وبدأ يتآمر ضد شعبه، ويسعى لاقناعه بالاستسلام باساليب الارجاف والنفاق، ولكن على عملاء النظام ان يعلموا ان شعب البحرين اذكى من كافة وسائل الخداع والتضليل، وانه حسم امره هذه المرة متوكلا على الله ومصمما على مواجهة الصعاب مهما حتى تتحقق مطالبه مهما تطلب الامر.
هذه المرة لا عودة للوراء ولا استسلام للامر المفروض من قوات اجنبية محتلة، ولا استعجال للنتائج، فانما يعجل من يخاف الفوت. فالله ناصر هذا الشعب ومعينه، وهو نعم المولى ونعم النصير.
اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين