الاستثمار الرخيص على حساب الثوابت قمة جبل النذالة والخسة!
د احمد الاسدي*
أن تعتز بطائفتك وتنحاز إلى انتماءك وتقف في خندق الفكر الذي تؤمن فيه سياسي كان أم ديني ومذهبي , فهذا الأمر ليس معيبا , ومن الغباء نعت أصحابه بالطائفية والأدلجه وما إليه من المصطلحات الدارجة في فضاء إعلام اليوم القابض للثمن , ولكنه يكون معيب وغير أخلاقي عندما توجه بوصلة عداء هذا الانتماء نحو صدور الآخرين , والأكثر خسة ونذالة من ذلك كله عندما يحاول البعض المتهرئ العقل والبصيرة تغليف شين فعله بعباءة الوطن وعفة الوطنية ,ليتسنى له في نهاية الأمر تسويق بضاعته الفاسدة والنتنة المحتوى على عقول السذج والمغفلين واللاهثين وراء الشعارات .
في كل مرة يضرب الإرهاب الطائفي ضربته هنا أو هناك في العراق وأخيرها وليس آخر فصولها في قضاء ( المقدادية ) التابع إلى محافظة (ديالى ) يكشر أصحاب النوايا والقصد المُسبق عن الوجه القبيح لهذه النوايا , ويعيدون ذات الخطبة التي أدمنوا ديباجتها عن داعش وإيران ونظرية مؤامرتها , وعن الفصائل ( الولائيه ) حسب توصيفاتهم ومحاولتها خلط الأوراق بعد انحسار عدد مقاعد الجهات السياسية المرتبطة بها في الانتخابات الأخيرة ,معتقدين إنهم بذلك سيغيرون شيء من الحقائق والمعطيات على أرض الواقع , التي يعرفها العراقيين عن ماهية ( داعش ) ونشأتها وحاضنتها , والجهات التي تتفاخر بفعلها في السر وتتبنى خطاب كراهيتها في العلن .
الدفاع عن الإرهاب أي كان مصدره والتفنن في تسويق تخريجات ومبررات لمرتكبي فعله , والتغطية والتستر على منابعه وحواضنه لا يقل عن الإرهاب نفسه , ولا يخرج عن سياقات الاستثمار السياسي المجرد من الثوابت الأخلاقية و الرقص على جراح الأبرياء من العراقيين , وفيه تجسيد للحقد والضغن الطائفي البغيض الذي يتاجر دعاة الوطنية بعفة عداءهم له , حيث هذا الادعاء لا يختلف عن عفة العاهر عندما تحاضر بالشرف على عتبه باب ماخور دعارتها.
قد تكون إيران استفادت من ( داعش ) وقبلها من (القاعدة) , وتمكنت من تجيير بعض أفعالهما لصالح مشروع حماية أمنها القومي بذكاء , سواء في العراق أو أفغانستان أو سورية ,فهذا الأمر أكثر من طبيعي في حسابات أجهزة المخابرات والاستخبارات الدولية , وهو جزء من جهدها القومي في الحفاظ على أمنها وقدراتها على فهم ما يخطط له أعداءها ,وهو أمر محسوب للإيرانيين وليس معيبة عليهم , مثلما هي الاستخبارات المركزية الأمريكية قد جيرت استهداف القاعدة إلى أمريكا في أحداث 11سبتمبر لصالح أخطر مشاريعها في المنطقة والعالم , والتي عنونتها تحت مسميات محاربة الإرهاب والتطرف الإسلامي , وذهبت عبر بوابتها لغزو واحتلال أفغانستان والعراق وتغيير خارطة المنطقة وفق ما يخدم أولويات أهدافها , وحفظ أمن ربيتها إسرائيل وكيانها المصطنع على أرض فلسطين , وتدمير قدرات أقوى الجيوش العربية سواء في العراق أو لاحقا في سورية , لكـن الغبي حد النهامه هو الذي يحاول أن يستغبي نفسه قبل استغباءه للآخرين , ويروج لسخافة أن إيران هي التي أوجدت (القاعدة ) , وهي التي أوجدت (الدولة الآسلامية ) في العراق , وهي التي أوجدت (داعش وجبهة النصره ) لاحقا , حيث المثل القائل ( حدث العاقل بما لا يعقل فإن صدقك فلا عقل له ) , ولو كانت إيران كذلك جدلا ,وهذا ليس دفاعا عن طهران ولا عن نظامها السياسي حيث لها مالها وعليها ما عليها , ولنا رؤيتنا فيها وفي سياساتها سواء في العراق أو المنطقة , لكن السؤال المنطقي الذي تدحض إجابته كل طرهات الأدعياء والمتقولين , لماذا تتحمل إيران كل هذا العناء وتتحمل أثمان باهظة في محاربتها ( لداعش ) وقبلها (القاعده ) بكل مسمياتها في العراق وفي سورية ومعهما العمليات الانتحارية التي تقوم بها جماعات مسلحه مرتبطة بهما , سواء على حدودها في أفغانستان أو باكستان أو شمال العراق , مادامت هي التي أوجدت هذه التنظيمات , وهي التي ترسم سياساتها وهي التي تدير تحركاتها وتمتلك قرارها ؟
أصحاب هذه الرؤية الاستثمارية المنحرفة عن علاقة إيران بنشوء القاعدة و داعش ومعهما المسميات الأخرى , يتناسون تنظيراتهم عندما يتعلق الأمر بالفصائل المقاومة العراقية والحشد أو كما يسمونها ( الميليشيات الإيرانية ) في تقولاتهم , وكيف يستقتلون بربط هذه الفصائل مع إيران ( نشأة وارتباط وتسليح ومشروع ) , وهذا هو عين الغباء والتناقض الفاضح , فكيف لإيران أن تجمع الضدين في مشروع واحد وتدعم النقيضين في استراتيجيه واحده وتتبنى نهج المتحاربين في سلة واحده ؟
ذات الجهات السياسية والمذهبية المرتبطة بذات المشروع التآمري والمذهبي التي تحاول أن تستثمر بدماء وجراح العراقيين وتحت طائلة ما يسمى بالتدخلات الإيرانية وهيمنة ما يسمونه بالميليشيات المسلحة الولائية على القرار العراقي , تعمل جاهده مثيلتها في لبنان للاستثمار الرخيص وعلى حساب معاناة وعوز الشعب اللبناني في ظل الضائقة الاقتصادية التي يمر فيها اليوم , وتحت نفس الغطاء وذات الخطاب السياسي والمذهبي المتعلق بتهمة هيمنة حزب الله المزعومة على الدولة اللبنانية ,واختطاف إيران للقرار فيها , حيث محاولات تصوير الأمور وكأن رئيس الجمهورية اللبناني من حزب الله , ورئيس الوزراء تابع لحزب الله , ورئيس مجلس النواب معين من قبل حزب الله, وقادة الجيش والأجهزة الأمنية من مقاتلي حزب الله , والوزارات والمؤسسات الحكومية المالية والاقتصادية والخدمية كلها من شيعة حزب الله, ما عاد هناك من يصدقها ويستسيغ رخص ادعاءها سوى قطعان العقول الساذجة التي لا تفرق بين الناقة والجمل .
الاستثمار في كل ما يحصل في العراق أو لبنان داخليا أو على صعيد العلاقات الخارجية بحجة إيران من جهة , أو بالفصائل المقاومة العراقية أو بحزب الله في لبنان من جهة أخرى , والبناء على هذا الاستثمار على الصعد الإعلامية والسياسية , وتوجيه بوصلته طائفيا ومذهبيا , هو جزء من مخططات معده سلفا يتم طرحها في الشارع تباعا حسب أولويتها أو حسب ما تفرضه طبيعة الأحداث ومستجداتها , ولكن الجديد في الأمر هي إستراتيجية حرق المراحل , واستعجال خلق الحدث , التي بدت واضحة معالمها جدا ومكشوفة في موضوعة تصريحات السيد جورج قرداحي والضجة التي أثيرت وتحولت في ليلة وضحاها إلى معركة المستهدف فيها حزب الله بصور مباشرة بالرغم من إنه ليس طرفا فيها , مثلما هو استهداف فصائل المقاومة في العراق تحديدا في أحداث المقدادية وهي كذلك ليس طرفا مباشرا فيها.
رمي تبعات ما يحدث في منطقتنا العربية جمعا والعراق ولبنان واليمن تحيدا من قبل السعودية ودول الخليج والغربان الناعقة والأصوات النشاز المبحوحة من كثرة نباحها الذي أدمنت عليه طوال صيرورة وجودها الفاشل والمهزوم على إيران , لهو حالة هروب من شجاعة الاعتراف بفشل المنظومة العربية بشقيها الرسمي والشعبي , وانحراف لا أخلاقي بالتعنت في قراءة الواقع بما ليس فيه , والبحث عن مبررات حتى لو كانت منحرفة وشاذة ومرفوضة ومفضوحة غاياتها للتغطية على هذا الفشل والانحراف , وبالتالي تمرير أجندة ما وراء هذا الفشل والانحراف , تارة عبر إمبراطوريات الأعلام التي تمتلك هذه الدول وتدفع المليارات من أجل ديمومة كذبها وتلفيقها واستغفالها للشارع , أو فرض ذلك بسطوة السلطة ومناشير ساستها تارة أخرى .
وأخيرا ,نصيحتنا إلى أصحاب العقول المنهكة من الخرف( بفتح الخاء وسكون الفاء ) حد الإعياء , من الذين لم يربحوا استثمارا واحدا في حياتهم منذ أيام معارضتهم للنظام الوطني العراقي حتى يوم ارتدوا ثوب الوطنية بعد سقوطه , ولعل أخرها في ما أسموه ( ثورة تشرين ) وهوبزتها, ونبحوا حد التخمة تارة ضد إيران ونظامها السياسي , وتارات أخرى ضد الفصائل المقاومة الشيعية والحشد , مع أطنان النباح ضد حزب الله في لبنان بالرغم من أن لا ناقة له ولا جمل في ذلك , ومن ثم حاولوا الاستثمار في مقاطعة الانتخابات ورمي أوساخ ألسنتهم على العراقيين الذين شاركوا فيها ومارسوا حقهم الدستوري الطبيعي , أن يتواروا عن المشهد نهائيا , بعد أن يعترفوا بهزيمتهم وفوات عربات قطار اليوم عليهم , فلقد أكل وشرب الدهر من أعمارهم ولم يبقي لهم إلا ما يمكن أن يستغلوه بالتقرب إلى الله لعل وعسى أن يكفر شيء من دنس اعمالهم .
ناشط مجتمعي عراقي*
2021-11-02