الاستاذة أنيسة توفيق السعدون.. وداعا (1925- 2017): السيدة العروبية بامتياز
سعد نجي جواد
في اول ايّام عبد الأضحى اتصل بي الاخ نبيل نورالدين، زوج السيدة تالة العمري ابنة السيدة الفاضلة أنيسة السعدون لينقل لي خبرا أحزنني كثيرا وهو انتقال الزميلة الغالية الاستاذة أنيسة الى جوار ربها. وهكذا نودع في الغربة المقيتة علما اخر من إعلام العراق الأكاديميين وهو امر توطنت النفس عليه مع الأسف.
في عام 1969، وعندما كنت في السنة الرابعة والنهائية من دراستي الجامعية في كلية القانون والسياسة، جامعة بغداد، التحقت السيدة الفاضلة المرحومة أنيسة السعدون كأحدى أفراد الطاقم التدريسي في قسم العلوم السياسية، قادمة من كلية التربية، ولتكون السيدة الاولى بين تدريسي القسم. وكان مظهرها الوقور و تقاطيعها الحادة امران مُلفتان للنظر. ولقد أوكل لها آنذاك مهمة تدريس مادة مباديء العلوم السياسية باللغة الانكليزية على طلبة الصف الاول. بعد ان بدأت السنة الدراسية حمدنا الله نحن الطلبة المهملين الباحثين عن الدرجة الأدنى في النجاح بأننا لم نكن ضمن من تقوم هذه السيدة الفاضلة بتدريسهم لما عرف عنها من جدية عالية والتزام كبير وعدم تهاون في تدريسها، حسب ما كنّا نسمعه من طلبتها. واخر شيء ظل يذكرني بها بعد تخرجي هو صورتها وهي تجلس في الصف الاول مع اساتذة القسم في الصورة التذكارية التي التقطت لنا نحن الخريجون للسنة الدراسية عام 1970.
عندما حصلت على شهادتي العليا، وبعد فترة قصيرة من العمل في الخارج عدت الى العراق وتعينت مدرسا في كليتي السابقة عام 1978. وشاءت الصدف ان يخصص لي مكتبا في نفس الغرفة التي كان فيها مكتبها، وكانت تلك الفرصة الاولى التي جعلتني أكون قريبا منها. لم يدهشني التزامها وجديتها في القيام بواجبها التربوي، لأني كما قلت كنت على علم بذلك، ولكن ما أدهشني وآثار اعجابي الكبير بها والذي ظل يتصاعد مع الأيام هو وطنيتها العالية وروحها القومية العربية الأصيلة التي فاقت ما كان يتميز به العديد من اساتذة الكلية من الرجال, وإيمانها المطلق بالقضية الفلسطينية وكرهها للصهيونية المغتصبة لفلسطين. كيف لا وهي المولودة في بيت عمها السياسي الوطني الكبير عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء العراقي في العشرينيات لعدة مرات، والذي اقدم على الانتحار لان المستعمر الإنكليزي رفض مطالبته المستمرة بالاستقلال التام. اكملت المرحومة دراستها الثانوية في بغداد، مع فترة دراسة قصيرة في الهند عندما اصطحبها والداها المورحوم توفيق السعدون عندما عُين قنصلا للعراق هناك. ثم انتقلت الى الولايات المتحدة لكي تكمل دراستها الأولية ومن ثم العليا لتحصل على شهادة الماجستير في عام 1951 من جامعة كولومبيا، لكي تعين مدرسة في كلية الملكة عالية في جامعة بغداد، والتي تحولت الى كلية التربية فيما بعد. وكانت من النساء العراقيات الرائدات اللواتي حصلن على هذه الشهادة في القرن الماضي. كما كانت اول أكاديمية عراقية أشركها وزير الخارجية الكفوء آنذاك المرحوم الدكتور فاضل الجمالي ضمن الوفد الذي ذهب الى الامم المتحدة وحتى قبل ان تحصل على شهادتها العليا. وحضرت في عام ١٩٤٨ الجلسة المؤلمة التي شهدت تقسيم فلسطين. ولعل ما انطبع في ذاكرتها من هذه الجلسة وحجم التامر الذي شهدتها ما جعلها ، وأبقاها، متحمسة في دفاعها عن الحقوق الفلسطينية حتى اخر ايّام حياتها. كان تقاربنا الفكري، اضافة الى ما وجدت هي في من اخلاص واندفاع في عملي سببا اخر لتوثيق علاقة الصداقة والاحترام ما بيننا، وظلت هي تضرب المثل بي وبعدد من زملائي الشباب في العلمية والجدية والاخلاص في العمل. وكانت تجاهر برأيها هذا في كل مكان، ويبدو ان بعض منتسبي الكلية لم يكن يروق لهم هذا المديح والاطراء الخاص بي، وقصوا عليها بعض القصص عن حياتي السابقة. ومن طريف ما اذكره في هذا المجال هو ما حدث ذات يوم حين كنت جالسا وراء مكتبي حيث دخلت هي غرفتنا المشتركة وبدون اية مقدمات بادرتني بالسؤال وبطريقتها المعهودة، (سعد صحيح انك عندما كنت طالبا كنت مهملا ولعوبا وغير جدي ايّام الدراسة؟) قلت نعم ست أنيسة هذا صحيح جدا، فردت مباشرة (الحمد لله اني لم أتعرف عليك في ذلك الوقت وإلا لكنت كرهتك). وللشهادة فإنها ردت عليهم بأنها لا يهمها الماضي بل تقيس على ما انا عليه في الحاضر.
ومرت الأيام بل والسنين ونحن زملاء في الكلية وبدات الأحوال تتدهور بسبب الحرب العراقية – الإيرانية والتي استمرت لمدة ثمان سنوات وبعدها حرب الخليج الاولى عام 1919، ثم الحصار اللا انساني والظالم الذي فرض على العراق منذ عام ١٩٩٠ والذي اثر بدوره على حياتنا الجامعية بنفس القسوة الذي اثر فيه على حياتنا الاجتماعية. ولكن ورغم كل هذه المعاناة لم تتخلخل وطنيتها وعروبيتها وصراحتها بل ظلت متصاعدة وتبعث الأمل في نفوس طلبتها وزملائها.
وفِي حادثة طريفة اخرى كنت شاهدا على جزء منها، وأخبرتني هي رحمها الله بتفاصيلها فيما بعد، هو ما حدث معها في احدى سنين منتصف الثمانينيّات من القرن الماضي، والتي شهدت قبول عدد كبير من منتسبي القوات المسلحة والاجهزة الأمنية و منتسبي حزب البعث في الدراسة المسائية في كليتنا، وكان عدد منهم غير جدي ويحاول الحصول على الشهادة بطرق ملتوية بل وغير مشروعة احيانا، وعندما كنّا نراقب الطلبة وهم يؤدون امتحاناتهم النهائية، تصدت هي لبعض هذه المحاولات في القاعة التي كانت تراقب فيها بكل صرامة، ولم تكن تعلم، بل لم يكن ليهمها ان تعلم بان من كان يقوم بهذه المحاولات هو احد المتنفذين في احد الأجهزة، الذي، وبعد ان فشل في محاولاته، حاول مضايقتها في طريق عودتها الى منزلها بسيارتها الخاصة. وبشجاعتها ورباطة جأشها المعهودة لم تأبه بذلك وواصلت مسيرتها الى منزلها، الذي وصلته منزعجة بالتأكيد. وعندما سالها زوجها المرحوم الدكتور عصام العمري، أخبرته بالسبب. وبعد ان هَدَأ بعض غضبها قال لها ( أتعلمين يا أنيسة ماذا تمثل حالتك مع هذا النوع من الطلبة؟ حالتك هي مثل حالة أرنب وديع مسالم في غابة مليئة بالوحوش الكاسرة التي تستطيع ان تقضي عليه بضربة واحدة. نصيحتي لك هي ان تتقاعدي عن العمل وتجلسي في دارك معززة مكرمة). وكانت وهي تقص عليّ هذه القصة تضحك ضحكتها المميزة النابعة من ألقلب. المهم انها لم تأخذ بهذه النصيحة وظلت تقوم بواجبها تجاه طلبتها على اكمل وجه، والذين ظلوا هم بدورهم متمسكين بها وينهلون من علمها طوال فترة عملها. وكانت هي من المجموعة التي اصر دائما على إطلاق لقب (الجيل الذهبي) عليها من الأساتذة في الجامعات العراقية الذين ظلوا رغم الحروب والحصار وتدني رواتبهم، الى حد انها وصلت في فترة ما وبسبب تدهور قيمة الدينار العراقي الى ما يعادل ١٥- ٢٠ دولار شهريا، أقول ظل هذا الجيل متمسكا بعراقهم ولم يغادروه رغم كل المغريات من الخارج، وظل هذا الجيل يخرج الدورة تلو الاخرى من الطلبة الذين ساهم عدد كبير منهم في النهضة العلمية لبلدهم والتي دمرها الاحتلال البغيض وما تبعه. وألفت كتابا علميا كبيرا لا يزال يعتبر المرجع الاول في مباديء علم السياسة باللغة الانكليزية في جامعات العراق. وعندما حان وقت تقاعدها بسبب بلوغها السن القانوني كان ذلك من أكثر المناسبات ألما على نفوسنا نحن زملائها و معاصريها في العمل الجامعي، وكان حفل تكريمها الذي عملناه نحن زملاءها وطلبتها يليق بعطائها الكبير، ومليء بالمشاعر المختلطة، فرحين لانها سترتاح من عناء العمل في تلك الظروف الصعبة، وحزينين لانها ستفارقنا بعد هذه السنين الطويلة من العمل المشترك.
في عام ١٩٥٢ تزوجت الراحلة من المرحوم الدكتور عصام ارشدالعمري الطبيب الجراح المشهور ورائد طب التجميل في العراق، وابن رئيس للوزراء في العراق في العهد الملكي. والذي سبقها في الانتقال الى جوار ربه في الغربة ايضا، وأنجبت المهندسة المعمارية تالة والدكتور الطبيب سعدون، اللذان كانا دائما مبعث فخرها واعتزازها. رحم الله السيدة الفاضلة والاكاديمية والمربية النادرة أنيسة السعدون التي ظلت محتفظة بذاكرتها وحرصها على متابعة الأخبار وخاصة المتعلقة بالعراق وفلسطين حتى اخر ايّام حياتها، وتشارك في الفعاليات التي تقام في لندن. بالتأكيد سيفتقدها ابنائها وعائلتها وأحفادها ومحبيها، وستفتقد زوجتي الدكتور سوسن العساف بغيابها أستاذتها التي احبتها واحترمتها على جهودها وإخلاصها معها ومع زملائها الذين تتلمذوا على يديها. والتي رفدتها بمعلومات قيمة عندما كتبت كتابا عن المراءة العراقية.اما انا فسأفتقد أختا كبيرة وزميلة تجسدت فيها كل الخصال الحميدة، وسافتقد اتصالاتها الهاتفية المحببة الى نفسي بعد ان تقرا اي مقال اكتبه او تشاهد مقابلة لي، وتحثني على الاستمرار في مواقفي، او عندما تسألني بالم وحرقة عن ما يجري من ماسي في العراق الحبيب على قلبينا. وسأظل أردد بعد غيابها وفِي كل مرة يرد ذكرها قول المتنبي الكبير