الاحتلال إلى زوال فماذا عن العرب؟
بقلم علي خيرالله شريف
فلسطين هي البوصلة، وهي المحك لكل من يَدَّعي الوطنية والقومية والعروبة والأصالة الدينية، مسيحيةً كانت أم إسلامية. ولا شك أن كل إنسان حر على وجه البسيطة، عربياً كان أم غير عربي، يشعر بالسرور لرؤية ما يجري حالياً في الكيان المؤقت من تناحُر وخلاقات وتظاهرات متضادة ومتعارضة، وجنرالات وطيارون يهددون بالاستقالة، ونتنياهو يتابع تحديه لما يسمى بالقضاء بفرض قرارات تحميه من الملاحقة، وغير ذلك من مؤشرات تفكك الكيان. وربما هي البُشرى باقتراب الفرج للشعب الفلسطيني الجبار وبزوال كابوس الاحتلال عن كاهله.
ولكن لكي لا نغرق في أحلام اليقظة ولا يعمي بصيرتنا الإحساس بنشوة النصر، نطرح عدة تساؤلات حول الموضوع:
ما هو دور العرب في ما يجري في فلسطين؟ وهل ما يجري هو نتيجة عمل عربي صامت وذكي قد أدى إلى تفكك الكيان؟ وهل يتمتع هؤلاء العرب بالتماسك والتوادد وبالاعتصام بحبل الله أو بحبل العروبة أو على الأقل بحبل الإحساس بالخطر الصهيوني الذي ينهشهم منذ عشرات السنين بينما هم يترنحون أمامه بين سكرانٍ ومُتخَمٍ وعميل؟
ماذا يفعل العرب حالياً مقابل الاضطرابات في الكيان الغاصب؟ ألا يُقَدِّمُ الكثيرون منهم للكيان كُلَّ الدعم بالسر والعلن كي يبقى متماسكاً فلا ينهار، لكي لا ينهاروا هم أيضاً؟
فالعرب مثلاً، ما زالوا يحتالون على اليمن لإبقاء حالة المعاناة فيه بلا حل ولإبقائه تحت سيطرة العدو بمشورتهم، وما زالوا يحاصرونه، ويحتلون أرضه وبحرَهُ وجُزُرَهُ ويقدمونها على طبق من فضة للعدو، وما زالوا يشرذمون أوصاله، ويسرقون خيراتِه. والدليل اليوم يأتينا من آخر إبداعات السعودية التي اقترحت على صنعاء بأن تقدم لليمنيين رواتبَ بالريال السعودي شرط أن تسمح صنعاء بحرية الملاحة في ميناء عدن ما يمكنها هي وحلفاءَ عدوانها من سرقة النفط اليمني عبر هذا الميناء(طبعا رفض اليمنيون العرض بذكائهم وقوة فطنتهم). إنها نفس الطريقة التي تعتمدها سلطات الاحتلال الصهيوني مع الفلسطينيين في غزة والضفة لإذلال الشعب الفلسطيني وللإمساكِ بلقمة عيشه ثم خنقه كلما أرادت خنقة.
هذا الاقتراح السعودي يجعلنا لا نبرئ السعودية مما هو معلوم عنها أنها تستعين بمستشارين صهاينة في عدوانها على اليمن، وهم يسيدون ويميدون في أنحاء اليمن. كذلك في السودان، العرب ينظرون بلا مبالاة إلى ما يجري فيه وهو يغرق ويُقَسَّم ويحترِق بالحرب الأهلية؛ بل هم يشاركون في إحراقه وفي تقسيمه، وفي إنشاء ميليشيات فيه تابعة لهم لنهبه واستعباد شعبه.
العرب، بدل أن يعملوا بذكاء وتخطيط وتصميم على تفكيك كيان العدو واستعادة فلسطين، هم يشاركون بحصار غزة والضفة، ويتعاونون مع مخابرات العدو للتبليغ عن رجال فلسطين ثم اغتيالهم، ولا نستبعد أنهم سيعمدون في فلسطين إلى افتعال ما افتعلوه في الدول العربية الأخرى من دس الفتنة وتطبيق التفتيت والشرذمة. حتى أن بعض الفلسطينيين الذين يستأجرهم العرب داخل الأرض المحتلة يتناغمون مع سياسة الانبطاح العربية المخزية، ولولا إباء الشعب الفلسطيني البطل وبطولات رجال الم_قا_و_مة لما عمل أحدٌ للتعجيل في تفكيك الكيان واسترجاع الأرض.
إن الكيان الغاصب، في نفس الوقت الذي يعاني فيه من التظاهرات والاضطرابات، يستغل الظرف لِيُنَكِّل بالفلسطينيين، فيُمعن في الاستيلاء على ما تبقى في حوزتهم من بيوت وممتلكات، ويغتال كوادرَهم، ويشدد التنسيق مع السلطة الفلسطينية ومحمود عباس لمراقبة المقاومين منهم، ولتنفيذ ما يقوم به.
نحن نُعَبِّرُ عن فرحنا بما يجري، ولكن فرحنا لا يمنعنا من أن ننظر إليه بعين التَرَقُّب والتحفُّظ وليس بعين البطر، وبعين الباحث عن الخوافي والكواليس والمكائد التي تحاك لنا.
لا شك أن زوال الاحتلال قد اقترب، ولا شك أن الوعد الإلهي سيتحقق، ولكن نخشى أن أول من سيسعى جهده لإجهاض التحرير وإعادة الاحتلال، هي الأنظمة التي تعادي المقاومة اليوم لأنها انتصرت، وتعمل كل ما في وسعها لمحاصرتها والقضاء عليها. وهذه الأنظمة هي نفسها التي تعمل خادمة أمينة للغرب في تدمير السودان واليمن وليبيا وسوريا وكل الدول العربية التي تنتحل صفة الربيع في حين أنها ليس فيها سوى كل ما يناقض الربيع ومعانيه وجماله وروحية الحياة فيه.
2023-07-25