الإندفاع الأوروبي نحو الحرب مع روسيا!
مصطفى السعيد
تندفع الحكومات الأوروبية نحو الحرب مع روسيا في أوكرانيا، وتجري إتصالات مكثفة بين لندن وباريس وبرلين ووارسو لاتخاذ خطوات مشتركة في مواجهة ما أسماه الرئيس الفرنسي ماكرون “خطر الإنتصار الروسي في أوكرانيا”، وجرى بحث خطط إرسال قوات أوروبية إلى أوكرانيا، وهي قفزة واسعة نحو الحرب المباشرة بين حلف شمال الأطلنطي وروسيا، وهناك علامات كثيرة على اقتراب اللهب من فتيل إشعال الحرب العالمية. فلم تمتثل أوكرانيا للتهديد الروسي بالرد الساحق إذا ما أقدمت على قصف العمق الروسي، وأعادت إستخدام الصواريخ الأمريكية والبريطانية بعيدة المدى رغم التحذير الروسي، الذي لم يكن موجها ضد أوكرانيا وحدها، بل للدول التي زودت أوكرانيا بهذه الصواريخ، التي لا يمكن لأوكرانيا إطلاقها وتوجيهها إلا من خلال تقنيات توفرها الدول المنتجة والموردة لهذه الصواريخ، وفي خطوة تحذيرية خطيرة حلقت طائرات شبحية روسية فوق قواعد عسكرية أمريكية في بريطانيا، دون أن ترصدها رادارات الناتو أو تتعقبها الطائرات، رغم رؤيتها بالعين المجردة، وسبق أن حلقت طائرة روسية شبحية مسيرة فوق حاملة طائرات بريطانية دون القدرة على رصدها أو اعتراضها، وفوق بحر البلقان اعترضت الطائرات الروسية طائرتان إستراتيجيتان تابعتان للولايات المتحدة، بعد أن اقتربتا من المجال الجوي لمنطقة كالينينجراد الروسية، وكاد يحدث احتكاك، يمكن أن يسفر عن نتائج وخيمة. لقد كثرت هذه الحوادث التي يمكن لواحدة منها أن تشعل فتيل الحرب، ولا يبدو أنها ستتوقف، بل يتجه الوضع إلى تصادم سريع، والسبب أن أوروبا تريد استثمار ما تبقى من حكم إدارة الرئيس الأمريكي بايدن، وتوجيه أقوى الضربات الممكنة إلى روسيا وقواتها في أوكرانيا، وكذلك يريد الرئيس الروسي بوتين استغلال نفس الفترة في السيطرة على كامل المقاطعات الأربع التي جرى ضمها إلى روسيا، قبل أن يبادر الرئيس القادم ترامب بطلب وقف إطلاق النار، ومبادرة الحل السلمي، وإن كان من غير المرجح أن تتجاوب روسيا مع طلب ترامب بوقف القتال إلا وفق عدد من الشروط الأساسية التي تطالب بها، وقد حقت القوات الروسية بالفعل تقدما واسعا في إقليم الدونباس، واقتربت من السيطرة عليه بالكامل في غضون أسابيع قليلة، وهناك تقديرات أوكرانية بأن تسيطر روسيا على الدونباس قبل نهاية الشهر الجاري، وسيكون أمامها شهر كامل يمكن أن تسيطر فيه على مساحات أوسع بكثير في ظل انهيار الدفاعات الأوكرانية، وهو ما يزيد من غضب أوروبا والولايات المتحدة، ويشعرهما بعجز تحالف عسكري واسع من وقف تقدم القوات الروسية. لكن الخوف يكمن من خطوات متهورة، مثل ما أعلنه الأدميرال روب باور رئيس اللجنة العسكرية في حلف الناتو عن إمكانية توجيه ضربة إستباقية لقواعد إطلاق الصواريخ الروسية، ولنا أن نتخيل لو جرى تنفيذ مثل تلك الضربة، وماذا سيستتبعها؟ وحتى إذا كان ما يطرحه المسئول الكبير في حلف الناتو به قدر من التهويل، فإن مجرد طرحه يثير مخاطر كبيرة. أما خطط الجانب الروسي للرد على التصعيد في أوكرانيا، فقد أعلن الرئيس بوتين عن توجيه ضربة تشمل مراكز صنع القرار في أوكرانيا، بالإضافة إلى المواقع العسكرية واللوجستية المهمة بالصواريخ الروسية الفرط صوتية إذا ما واصلت كييف استهداف العمق الروسي، وكانت روسيا قد ردت على الضربة الأوكرانية الثانية بضربة صاروخية واسعة استهدفت مراكز الطاقة والصناعات العسكرية، لكن أهم ما قاله بوتين وجرى بثه عبر الفضائيات أن إنتاج روسيا من الصواريخ يفوق إجمالي ما تنتجه دول حلف الناتو بنحو 10 مرات، في إشارة إلى قدرة روسيا على مجابهة الحلف والتفوق عليه. أما على الجانب الأمريكي فقد حثت الإدارة الأمريكية أوكرانيا على تخفيض سن التجنيد إلى 18 عاما، لتعوض خسائرها الكبيرة في الجنود، ووعدت بتوريد ما أقرته سابقا في أسرع وقت، لكنها لن تستطيع توفير حزما إضافية من التمويل لصعوبة موافقة الكونجرس عليها، وتجري القوات الأمريكية مناورات خطيرة قبالة الحدود الروسية، وتدشن قواعد عسكرية على أراضي فنلندا.
إن أوروبا أمام خمسين يوما هي الأكثر خطورة في تاريخها منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي الفترة المتبقة من حكم إدارة بايدن، وأمامها خيارات مؤثرة للغاية على مستقبلها، خصوصا ما يجري تداوله عن إرسال قوات عسكرية إلى أوكرانيا لتحارب روسيا مباشرة، لأنه يعني تجاوز حافة الهاوية، ووقوع العالم في الهاوية بالفعل، وكذلك التلويح المتبادل باستخدام الأسلحة النووية، أو مساعدة أوكرانيا على إمتلاكها، وجميعها خطوات متسارعة نحو الهلاك.
2024-12-02