الإلحاد جبن!ابو زيزوم
لو أن أحداً في هذا الوجود قادر على إلغاء الدين لكان في المسألة مجال لتفهم مواقف بعض مدّعي الالحاد على اعتبار انهم تحرروا من الفكر الديني كما يزعمون . غير انهم في الحقيقة يستبدلون ديناً بدين لا أكثر . فالأفكار العدمية في حقيقتها ليست الا قناعات اخرى يقيمها المرء على انقاض القناعات الدينية التي تنكّر لها . أما اللادينيون في الغرب فإنهم لا يختلفون بشيء عن الاشخاص المهملين للعبادات في مجتمعنا . هذا الاهمال لجميع طقوس العبادة قد لا يعني ان لديهم افكاراً اخرى رافضة للدين .
في الغرب ترتفع نسب اللادينيين الى نصف المجتمع أحياناً . كذلك مَن لا يكترثون للعبادات في مجتمعاتنا تصل معدلاتهم في بعض المراحل الى نسب عالية . الفرق أن من لم يصلِّ ركعة واحدة في حياته عندما يُسأل عن دينه يجيب بتلقائية انه مسلم ، اما الغربي فأنه يقول (لا ديني) لعدم وجود شكل من الممارسات الدينية لديه .
بعض هؤلاء المعرضين عن الدين في مجتمعنا بدأوا في السنوات الاخيرة يجاهرون بأنهم ملحدون تماشياً مع صعود بعض الحكام المعادين للدين . فهم يجدون قدراً من الكشخة في الاستيصاف بهذه الصفة من باب (خالف تُعرف) وفي نفس الوقت رغبةً في استفزاز رجال الدين او القيم الاجتماعية محتمين بالتوجهات السياسية الجديدة في بلدانهم .
وبغض النظر عن صدق هذا الموقف وأسبابه فإنه يمثل هروباً من الواقع . الهروب بهذا الشكل ينطوي على خلة أنانية ، فإذا كان الهارب يعتقد ان قومه يواجهون خطراً عليه ان لا ينجو بنفسه ويتركهم فريسةً للخطر . أتكلم هنا عن الذين يبتعدون عن الدين بقرار عقلي وليس الذين يهملونه بعدم مبالاة . أقصد الملحدين وليس اللادينيين . فهؤلاء على قلتهم واعون ومؤثرون .
الاغلبية الساحقة من الاديان صنعها البشر بسبب حاجته النفسية لها ، وحتى الاديان السماوية تدخّل فيها الانسان باجتهادات وتفسيرات واضافات أبعدتها عن رسالة الدين الحقيقية بدرجات مختلفة ، فالاختلافات المتفاقمة فيها الى حد الاصطراع لا تمثل تعاليم إلهية وانما تمثل ادياناً من صنع البشر يدعي كل منها القرب الى الله .
لقد بلغ ديننا في هذه المرحلة درجة من الإسفاف لم يبلغها في اي زمن آخر بسبب رعيل من رجال الدين المتناوبين على الاعلام ولا همّ لهم الا ارضاء السلاطين او استنطاق عقدهم الذاتية وسوء سرائرهم ليحكّموها في حياة العباد . واذا كان هناك من ينقلب على الدين كردة فعل على هؤلاء المحرّفين فإنه بإنقلابه هذا لم يفعل خيراً . لقد رحل عن واقع مرير الى المجهول . وكان عليه بدلاً من ذلك ان يصطف مع المناضلين لتغيير الواقع الى أفضل .
الدين باقٍ أبد الدهر ، ولصيق بالانسان منذ ان وُجد حتى نهاية هذا الوجود . رسالته الخير للبشرية وعندما يتحول الى شر فاعلم ان الشر طارىء بفعل البشر . والهروب من شره أسوأ واكثر ضرراً على الفرد والمجتمع من مجابهته .
( ابو زيزوم _ 1140 )
2021-11-29