نقطة ضوء .
الإصلاح الزراعي!
فريد العليبي
صدر بالرائد الرسمي مرسوم عدد 15 لسنة 2022 مؤرّخ في 20 مارس 2022 يتعلّق بالشركات الأهلية، ومن بين ما نص عليه تحديد الهدف من تأسيسها ، وهو تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات و التصرف في الأراضي الاشتراكية .
و يفتح هذا الحدث السبيل أمام التداول مجددا في مسألة الإصلاح الزراعي للنهوض بقطاع الفلاحة، الذي ظل مهملا الى حد كبير على مدى عقود متتالية، و هو ما تفاقم مع بداية السبعينات من القرن الماضي ، عندما حل التخريب بالتعاضديات الفلاحية ، التي برغم محدوديتها فإنه تم تدميرها و لم يبق منها اليوم غير أطلالها .
واللافت أن المرسوم لم يذكر الأراضي الدولية التي تمثل معضلة ، وهى التي تتحكم بتسييرها بيروقراطية فاسدة ، مما أثر سلبا على مردوديتها فأضحت أراضي متروكة لمصيرها ، مما يعني أن المرسوم المذكور قد مس جزء فقط من المشكلة الزراعية .
و تاريخيا مثلت أرض تونس الخصبة هدفا لأطماع الغزاة المحتلين ، وقد بدأ المستعمرون الفرنسيون سيطرتهم عليها بوضع يدهم على هنشير النفيضة ، غير أن تونس من البلدان القليلة التي لم تشهد اصلاحا زراعيا ، ففي الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، ومع مغادرة المستعمرين القدامى الكثير من البلدان في افريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية كانت الإصلاحات الزراعية ، التي بغض النظر عن طبيعتها والنتائج المترتبة عنها فإنها كانت من بين معالم تلك المرحلة ، أما في تونس فكان الاكتفاء بالجلاء الزراعي ، ولكن خدم المستعمرين ظلوا محافظين على الأراضي التي أقطعتهم إياها فرنسا . وما زاد الطين بلة أن الدولة التونسية الفتية أقطعت بدورها أعوانها والمقربين منها أراضي شاسعة ضمانا لولائهم ، و قبل ذلك كان حكم البايات قد لجأ الى ذلك الصنيع نفسه .
واليوم كما بالأمس يسيطر الأغنياء المقيمون غالبا في الأحياء المرفهة في المدن الكبيرة على الأراضي الخصبة ، وهناك أغنياء جدد يشترون أراضي الفلاحين الفقراء بأثمان بخسة و يستنزفون المائدة المائية بآبارهم العميقة غير المرخصة غالبا دون حسيب ولا رقيب.
و فضلا عن ذلك هناك عبث البيروقراطيين في المندوبيات الفلاحية واتحاد الفلاحين ، وهم الذين يرون في الفلاح الصغير والمتوسط مصدرا للرشاوى، فلا يسدون خدمة لطالبيها الا بعد الحصول على ما يبتغون ، والا فإنهم يعطلون ملفاتهم بل قد يمزقونها أحيانا مدعين أنها لم تصلهم فيحرمونهم من المساعدة الحكومية والرخصة القانونية الخ .. دافعين إياهم الى بيع أرضهم ، وتشير الأرقام الى تفشي الفساد الكبير والصغير في هذا القطاع وهناك قضايا واعتقالات ومحاكمات .
ومن بين الظواهر على هذا الصعيد شراء أراضي من قبل متحيلين للحصول على قروض تفوق قيمتها ، في تحالف مع بيروقراطية البنوك ، ثم تركها لحالها ، فالغاية هي جمع المال بطرق ملتوية لا استصلاح الأرض ، كما تنتشر ظاهرة كراء أراضي بأثمان بخسة لذوي النفوذ والجاه ، وشراء صابة الأراضي الدولية بمقابل مالي لا يعكس قيمتها الحقيقية ، وحل حتى رأس المال الأجنبي في السيطرة على الأرض ، وكانت تونس على شفا التوقيع على اتفاقية الأليكا ، التي مثلت تهديدا بتشييع الفلاحة التونسية الى مثواها الأخير.
وقد أصبح الفلاح اليوم تحت استعباد أمراء المال المسيطرين على البنوك فالقروض تدر ذهبا ، وفي غالب الحالات يسيطر هؤلاء على أرضه ويبيعونها للمقربين .
والنتيجة أن المعضلة الفلاحية ظلت دون حل، ووجد الفلاحون الفقراء أنفسهم مجبرين على النزوح من الريف الى المدينة ، مخيمين في أحزمة الفقر الحمراء في المدن الساحلية .
وخلال الانتفاضة الأخيرة كان الفلاحون وأبناؤهم من الشبان المعطلين عن العمل حاضرين بقوة ، وفي جهة الرقاب التي قدمت أربعة شهداء من بناتها وأبنائها خلال ذلك ، رُفع شعار: الأراضي تباعت والأهالي جاعت ، وكانت النسوة يندبن خدودهن وهن يرددنه ، في انفجار لحسرة مكتومة لوقت طويل ، فقد تحول أصحاب الأرض الى عاملين فيها عند الأغنياء القادمين من بعيد ، ومن بينهم وزراء سابقون ومهربون وتجار كبار.
ويقترب اليوم قيس سعيد بمرسومه المذكور من المشكلة الفلاحية ، التي هي جوهر الديمقراطية في البلدان الزراعية، والحل هو اصلاح زراعي يغير علاقات الإنتاج في الريف بإعادة توزيع الأرض على مستحقيها، أي نقل الملكية من الاقطاعيين وكبار الملاكين العقاريين الى الفلاحين الفقراء وأبنائهم من الشبان المعطلين عن العمل ، الذين غالبا لا أرض لهم ، كما الاعتناء بالفلاحين الصغار الغارقين في البؤس وتشجيع الفلاحين المتوسطين ، فتغيير علاقات الإنتاج في الريف سوف يمكن تونس من استعادة أرضها ، فما يستفيد منه الفلاح سيعم خيره الوطن بأسره .
تونس
2022-03-26