الإرهاب الصهيوني بين عقليتين مختلفتين سيستمر ويتطور …
د. سمير صباغ
أعاد الاعتداء على صحيفة «شارلي إيبدو» إثارة «الإسلاموفوبيا» لدى الشعب الفرنسي، وبعث في نفوس حكام أوروبا الخوف والهلع ليقينهم أنّ هذا الاعتداء لن يكون الوحيد ولن يكون في اتجاه أو مكان واحد.
هذا التوثب الجديد للإرهاب الذي ينتحل صفة الإسلام، هو في حقيقة الأمر من صنع أيديهم ومن نتائج سياساتهم. فمنذ أن نشأت «إسرائيل» وإرهابها يتوالى في طول الوطن العربي وعرضه، بعقلية استعمارية أدّت إلى حروب السويس والجزائر، ثم حروب العراق وليبيا وأخيراً وليس آخراً الحرب على سورية.
استهدف الهجوم الإرهابي صحيفة فرنسية سخرت من الرسول العربي غير آبهة بشعور ثلث سكان المعمورة المسلمين المنتشرين في العالم ومنهم 7 ملايين يعيشون في فرنسا نفسها.
وقبل أن نعرض أسباب وتداعيات هذه الهجمة، لا بدّ من ذكر ثلاث ملاحظات حول طبيعة ساحة الصراع الذي لفّ أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً، ونوعية المتصارعين الذين يتقاسمون الأرض سوياً ويتعايشون فيها، رغم ما بينهم من اختلافات في النظرة إلى تطور منظومة الدين.
الملاحظة الأولى: هناك التزام في فرنسا وأوروبا اليوم، بما يسمى «القيم الأوروبية»، وهي تندرج في سياق مبادئ وشعارات الثورة الفرنسية عام 1789 التي حرّرت، تباعاً، مختلف المجتمعات من الملكيات المطلقة ورفعت شعارات الحرية والمساواة والأخوة، وبقيت فرنسا ملتزمة بهذه الشعارات إلى أن توصلت، بعد قرون، إلى التحرّر من الحقّ الإلهي في الحكم ومن نفوذ الكنيسة، وتحديداً نفوذ الباباوات وسلطتهم نهائياً عام 1911 فاعتمدت العلمنة، أي فصل الدين عن الدولة، وبالتالي حرّرت المواطن الذي بات يخضع، فعلياً، لمؤثرات القانون الوضعي الذي ينظم عملياً كلّ مندرجات العلمنة، وتحديداً الحريات العامة، ومنها حرية المعتقد والرأي والتعبير والنشر والانتقاد.
إذاً نحن هنا أمام فريق يعتنق حرية الرأي ولا ينظر إلى الأمر إلا من منظار اللامبالي بقضية الدين ومندرجاته، وفي المقابل وعلى الأرض نفسها وفي شكل متساو في الحقوق والواجبات إزاء الدولة يعيش 7 ملايين مسلم لا زالوا متمسكين بإسلامهم، يحترمون مقدساتهم ويمارسون شعائرهم وعباداتهم رافضين التطاول على أنبياء الله ويثورون أمام كلّ ما يسيء إليهم.
المشكلة اليوم هي بين عقليتين مختلفتين، إحداهما تطوّرت بحيث تخلت عن تدخل الدين في الدولة، والأخرى لا تزال تعتبر أنّ دينها هو دين ودولة، وبالتالي إذا لم يتمّ ردم الهوة بين العقليّتين، فإنّ المشكلة ستستمرّ وتتطوّر، وخصوصاً أنّ أيدي الصهيونية العالمية قادرة على استغلال كلّ ثغرات المجتمع الفرنسي والأوروبي لكي تبقى الدولة الرابحة دائماً في هذه الأحداث.
الملاحظة الثانية: أنّ الزعماء الأوروبيين الذين ساروا متضامنين مستنكرين موجة الإرهاب هذه، كانوا يسيرون جنباً إلى جنب مع الإرهابي الأول نتنياهو الذي شنّ بالأمس حرباً على غزة وقتل، هو وزبانيته، الأبرياء في فلسطين، وبشماتة وقحة لم يبالِ بشعور مضيفيه فأحرجهم ومسّ شعورهم في ذلك اليوم التضامني معهم، حين طالب اليهود الفرنسيين بـ«الانتقال إلى دولتهم إسرائيل، فهي ملاذهم بعد أن أصبحت فرنسا غير آمنة».
الملاحظة الثالثة: إنّ هذا الإرهاب التكفيري الذي لا علاقة له بالإسلام، ضرب في لبنان وفي فرنسا في توقيت واحد ومشبوه، وما جرى في جبل محسن منذ يومين دليل ساطع على أنّ هذا الإرهاب يندفع باتجاه كلّ الأمكنة التي حوّلها إلى ساحات «جهاد».
إنّ ما يهمّنا في لبنان هو العمل معاً من أجل مواجهة هذا الإرهاب بما يلي: أولاً تمتين الوحدة الوطنية، ثانياً دعم الجيش والوقوف وراءه بصلابة وقوة، ثالثاً وضع خطط إنمائية شاملة تواجه إغراءات القوى التكفيرية، رابعاً قيام الشعب والحكومة بثورة ثقافية تُعنى بتقوية مناعة المجتمع من النواحي الاجتماعية والدينية والإنسانية، خامساً وأخيراً حثْ الدوائر الدينية في الأزهر الشريف وفي دار الفتوى في لبنان على القيام بإصلاحات دينية جذرية معبّرة تفضح أفكار الحركات التكفيرية وممارساتها.
15/01/2015