الإبادة في فلسطين وهندسة الحواس والمشاعر!
محمد ابو عريضة
حينما تمر قرب إحدى محطات تنقية المياه العادمة، فإنك تشعر بالغثيان، وتُسَرِّع من خطواتك إن كنت راجلًا، وتسرِّع راحلتك أو مركبتك إن كنت راكبًا. بل إن من اعتاد المرور بالقرب من هذه المحطات تبدأ الروائح الكريهة باجتياح منخاريه قبل أن يصل الموقع، باستدعائه الرائحة الكريهة من ذاكرته المختزنة عن المكان الذي سيصله بعد قليل.
لكن؛ ماذا عن القاطنين بالقرب من محطات تنقية المياه العادمة، أو أي منشآت تنطلق منها روائحة كريهة، أو العاملين فيها؟
تقول معظم النظريات العلمية والاجتماعية التي تناقش هذه المسألة أو ما يشبهها: إن الرائحة الكريهة تبدأ بالاختفاء بالتدريج مع مرور الوقت، فبيولوجيًا تتأثر حواس الشم، وتعتاد هذه الرائحة، ومع الوقت لا تمسي الروائحة الكريهة مصدرًا للإزعاج، لأنها أصبحت جزءًا مما اعتاده الإنسان. أما اجتماعيًا، فتقول إحدى فرضيات السيطرة وهندسة الهيمنة على المجتمعات والدول: ما لم تستطع فرضه بالقوة، يمكنك تمريره بالتعود!
هذا الأمر ينسحب على حاسة السمع، فحينما ينتقل من سكن طوال سنوات عمره في قرية هادئة للسكن في المدينة، فإنه يبقى منزعجًا أولى الأشهر في المكان الجديد، غير أنه يبدأ بالتدريج اعتياد الضجيج بيولوجيًا واجتماعيًا، فتمسي الأصوات التي كانت تزعجه في الأشهر الأولى بعد انتقاله من القرية إلى المدينة أصواتًا طبيعية، الأصل أن يسمعها كل لحظة، بل إن غياب هذه الأصوات حينما يعود إلى قريته في زيارة خاطفة وغياب تفاصيل أخرى تصبح أسبابًا وجيهة لشعوره بالملل بعد اليوم الثاني من ابتعاده عن البيئة الصاخبة.
طيب؛ ماذا عن حاسة الإبصار “الشوف”، كيف يجري هندسة مشاهدة الصورة؟
للصورة في ثقافتنا حكاية، بل حكايات، فنحن أمة الكلمة والحرف، أمة الشعر والخطابة، أمة الثقافة الشفاهية. صحيح أنه مرّ علينا في حقبة زمنية لا تتجاوز القرنين، تمكن فيه العرب من الانتقال إلى أمة تكتب كثيرًا، بل إنها قدمت للبشرية قيمة معرفية عالية الجودة في القرنين الثامن والتاسع الميلادي، بنى عليها الغرب علومه ومعارفه وثورته المعرفية منذ عصر النهضة، لكن هذين القرنين كانا استثناءً، فقد عدنا بعد ذلك إلى ثقافة “الحكي” من دون الكتابة، غير أن لهذه الحقيقة وجه آخر، فمجرد أننا تمكنا، خلال القرنين محور الحديث، من اجتراح مشروع معرفي أسهم في تقدم البشرية، هذا يعني أننا قادرون على تكرار التجربة، ما دامت جينات المعرفة كامنة داخلنا، لكنها تحتاج ظروفًا موضوعية واشتراطات ذاتية، لإعادة تكرار التجربة.
لكن؛ حتى ما تمكنا من تحقيقه، خلال القرنين الثامن والتاسع الميلادي، ظل بعيدًا عن الصورة وثقافتها والتعاطي معها، بل إن الصورة، حتى عند المسيحية العربية بقيت محور جدال حتى القرن الثامن الميلادي، بعد ان حسمت الكنيسة الأورثوكسية الأمر وسمحت برسم المسيح وأمه عليهما السلام في الكنائس. أما في الإسلام، فالأمر مختلف، فقد ظلت الصورة محرمة إلى أن أصبح التصوير جزء من ثقافة العصر الحديث، وتفاصيل الحياة تستدعي التصوير، ولا مجال لإدارة الظهر عن الصورة.
أتقن الغرب صناعة الصورة، واستخدمها في معاركه العسكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ووضع نظريات كثيرة حول هندسة تشكيل وعي الآخرين باستخدام الصورة، إلى أن أصبحت الصورة اليوم في وسائل الإعلام التقليدية والحديثة اللاعب الرئيس في الجيل الخامس من الحروب – حروب السوشيال ميديا -، فأين نحن من هذا؟
نحيل السؤال السابق إلى المتخصصين، فهم الأقدر على الإجابة عن هذا السؤال، ويمكن أن يكون لهذا السؤال اجتهادات في مكان وزمان آخرين، لكن؛ ما يهمنا في سياق كيّْ الوعي وهندسة الحواس والمشاعر، صورة الإبادة الجماعية التي تبثها كل وسائل الإعلام في العالم، بما في ذلك وسائل إعلامنا العربية، أو حتى تلك المحسوبة على “محور المقاومة”، وهنا يبرز سؤال ملح: ألا تدين ما تبثه وسائل الإعلام الغربية من صور الضحايا في غزة ربيبة الغرب “إسرائيل”، فلماذا إذن تبثها بكثافة؟
أنا أعتقد أن زيادة بث الصورة يصب في باب هندسة المشاعر والحواس، فبعد أن تعتاد عيناك مشاهدة صورة المجازر والموت عشرات المرات كل يوم، تمسي هذه الصورة جزءًا من حياتك اليومية. صحيح أن مشاعرك تأثرت بشدة في بداية العدوان على غزة من بشاعة ما يجري ورأيت صوره على الشاشات، فغضبت ولعنت الوهن والسكوت، وصرخت وتظاهرت، وكنت جاهزًا لأن تفعل أفعال كان يمكن أن لا تفعلها في ظروف أخرى. لكن غضبك بعد مدة يتحول إلى حزن شديد، ولاحقًا تعتاد على مشاهدة صور الإبادة، فتتحول مع الآخرين إلى ما يشبه “العداد” يردد مع المرددين أعداد الضحايا في ذلك اليوم والعدد الكلي للشهداء، أليست هندسة للمشاعر والحواس؟
2024-09-07

تعليق واحد
I do believe all the ideas youve presented for your post They are really convincing and will certainly work Nonetheless the posts are too short for novices May just you please lengthen them a little from subsequent time Thanks for the post