عاش العرب طوال القرن الماضي تحت ما يمكن أن نسميه لعنة ابن خلدون الذي أطلق علينا حكما جائرا بأننا قوم لا نستطيع أن نحكم أنفسنا. كانت مقولته البائسة تلك، عن علم أو عن غير علم، تشكل الخلفية الفلسفية لتفكير وسلوكات الطبقات الرجعية في المجتمعات العربية التي دفعتها في الحقيقة مصالحها الأنانية، لا غير، إلى إقامة تحالفات مذلة مع قوى الاستعمار التي، حسب زعمها، وفرت لنا حين كانت تحكمنا، الأمن والاستقرار ودولا تنظم أمورنا. ثم راح خونة الأوطان والشعوب يفسرون ما جرى لنا في عهد استقلال بعض دولنا بمقولة ابن خلدون بأننا لا نجيد حكم أنفسنا، ودأبوا على استغلال إخفاقاتنا كدليل على أننا بمجرد أن رفع الأجنبي يده عن رؤوسنا رحنا نذبح بعضنا بعضا. وهم في هذا تناسوا كل العوامل التي أثرت على أقدارنا. ثم يتهموننا بأننا من أنصار نظرية المؤامرة ، وأننا نعفي أنفسنا من المسؤولية تجاه أقدارنا، ونحمل القوى الخارجية المسؤولية كلها عما نعاني منه.
لا بأس، فما شهدناها في العراق، مثلا، بعد عام 1958 من صراعات وتطاحنات في ظل الحكم الوطني والتي انتهت بإسقاط ذلك الحكم، ومهدت لصعود صدام حسين إلى سدة الحكم، وقيادته للعراق نحو الدمار الشامل، لم نزعم نحن وحدنا أنها كانت مؤامرة استعمارية كبرى، بل إن الأمريكان والبريطانيين أنفسهم، وفي أكثر من مناسبة، أقروا بأدوارهم الخبيثة في كل أحداث العراق، بما في ذلك انقلاب الثامن من شباط عام 1963، ولم يتوانوا عن تأكيد أن صدام حسين كان "our boy" في العراق منذ عام 1959، كما قالوا.
لا نناقش هنا ابن خلدون، ولكن نقول إن الرجل كان ابن زمانه الذي تتطابق مواصفاته مع مواصفات زماننا هذا، فهو عاصر قرن المغول، كما نشهد نحن همجية القرن الأمريكي، وكل ما يصحبها من تردي أوضاعنا السياسية، والفكرية، والإنسانية بشكل عام. لا نظن أن ابن خلدون تعمد الإساءة إلى العرب*، إذ كان بلا شك يدرك أن عبقريته، ونبوغه، ونظرياته ما كان لها أن تظهر لولا أن الله أنعم عليه بلغة العرب التي استوعبت فكره الذي كان في مناح عديدة متقدما على عصره بقرون.
لكن ابن خلدون، وهذا لا يغفر له لأنه بحق أبو علم الاجتماع الحديث وكان يعي ما يقول، تناسى عمدا أمورا كبيرة الأهمية عند تناول الأمم، وتاريخها، وطبيعتها؛ فهو تناسى مثلا أن العرب قبل زمانه حكموا، ليس فقط أنفسهم، بل ومعظم العالم المعروف آنذاك لقرون عديدة عبر امبراطوريتين جبارتين، الأموية والعباسية، وأن حكمهم لم يكن على أية حال أسوأ من حكم غيرهم من أهل الامبراطوريات اليونانية، والرومانية، والفارسية، على العكس فهم لم يأتوا إلى الأمم الأخرى كفاتحين فقط، بل جاءوا أيضا بفكر متحضر وممارسات حضارية.
حين كان العرب "الغزاة" يصلون إلى أي مكان كان يصل معهم ومع مساجدهم إلى ذلك المكان رمزان من رموز الحضارة، الحمّام والمدرسة! العرب علموا العالم النظافة المرتبطة بدينهم والتي لم يعرفها الانجليز وغيرهم من الأوروبيين إلا بعد الاحتكاك بالعرب. والعرب علموا الأمم أن تقرأ.
وتناسى ملاعين ابن خلدون أيضا أن العرب هم أول من أدخل مفهوم "الأمة" في الفكر السياسي العالمي، وفعلوا ذلك قبل أربعة عشر قرنا، وعملوا به بأفضل ما كان ممكنا، وأن مفهوم الأمة كان المفتاح الذي أتاح للأمم الأخرى التي دخلت في الإسلام أن تنشئ امبراطوريات، فالامبراطورية العثمانية، مثلا، لم يكن ممكنا لها أن تقوم دون الاستناد إلى مفهوم الأمة العربي، فقد حكمت ثلاث قارات في العالم تحت راية "الأمة الإسلامية".
ويصرف ملاعين ابن خلدون أيضا الأنظار عن أن نبي الإسلام، العربيّ محمد بن عبدالله الذي لا يعلو على شأنه إلا شأن الله، كان همه الشاغل، وهو في ذروة تعرضه للعدوان ومحاولات الخنق من قبل الأعراب واليهود، إنشاء دولة في المدينة التي استقبلته. دولة لها تشريع، وقضاة، وحماة. الدولة والأمة مفهومان عربيان قبل أن أن يكونا أوروبيين. الفكر الإسلامي هو أول فكر إنساني عالمي آمن باتحاد الأقوام المختلفة في ألوانها، وألسنتها في أمة، وأقام ذلك الاتحاد.
وأن يكون ذلك الاتحاد قد نجح في التعامل مع مواطنيه بقدر عال من المساواة والعدل يتناسب مع المرحلة التاريخية له، حقيقة تشهد عليها معطيات كثيرة منها أن النوابغ من كل القوميات غير العربية، ومنهم ابن خلدون نفسه، قد احتلوا مكانتهم المرموقة بين ظهراني ذلك الاتحاد، وأن امبراطوريات الأقوام غير العربية، العثمانية مثلا، قد نشأت في رحم الامبراطورية العربية، فنظرة بسيطة إلى تاريخ الامبراطورية العباسية في كل أطوارها ترينا الأدوار التي كان الفرس، والترك، والكرد يلعبونها ضمن مفهوم الأمة التي حملها العرب، وعملوا به في امبراطورياتهم بأفضل ما كان ممكنا.
وقبل ذلك، فنظرة بسيطة إلى تاريخ الامبراطورية الأموية ترينا الأدوار الحساسة التي لعبها المسيحيون بكل طوائفهم، وكذلك اليهود في إدارة الامبراطورية. أليس غبيا وفي عقله لوثة من يريد أن يقنعنا أن بضعة عشرات الآلاف من البدو خرجوا من قلب الصحراء، وغزوا أمما عريقة، وعظيمة واستطاعوا التحكم بها لقرون بقوة السيف؟
المفهوم العربي الإسلامي عن الأمة حكم نفسه بمنطق داخلي يقوم على دخول الإسلام، وتعلم لغة القرآن لأغراض الدين، لا غير. ليس هناك من يقول لنا أن العرب أجبروا الأمم الأخرى على التخلي عن لغاتهم، وعن هوياتهم، مع أن ذلك، إن كان قد حصل، فلا ينبغي له أن يثير اشمئزازنا، فأوروبا اليوم ورغم مفهومها العصري عن القوميات وحقوق الإنسان تعمل كل ما في وسعها على تجريد الوافدين إلى اتحادها من لغاتهم، وهوياتهم.
لو فعل العرب المسلمون ذلك لما كان بقي في امبراطورياتهم، بعد قرون، من دين غير الإسلام، ومن لغة غير العربية، أو التركية، مع أن انتقال السلطة الامبراطورية إلى غير العرب أدى بشكل طبيعي إلى إعلاء مركز ومكانة لغة الأقوام التي انتقلت إليهم السلطة، وهنا نقصد التركية.
ولهذا فإننا إذ نطرح فكرة الاتحاد بين أمم الشرق الأوسط، ونؤمن بحتميته فإننا لا نعكس بالدرجة الأولى تأثرا بالاتحاد الأوروبي الذي نعيش في كنفه، بل قبل ذلك نُخرج إلى الوجود فكرا عربيا إسلاميا خالصا، وقابلا للتطبيق كضرورة من ضرورات العصر الحديث.
مفهوم الأمة العربي الإسلامي تحور، دون أدنى شك، حين أصبح مجرد وسيلة سياسية لتوطيد الحكم القومي، كما حصل في ظل الامبراطورية العثمانية، التي يمكن أن نناقشها في سياق آخر، إلا إن هذا المفهوم يحتفظ بجوهره النقي، ففي الاتحاد خير للجميع.
ما يجب أن ننتبه إليه بشدة هو أن مسألة "الدولة" و"الاتحاد في أمة" في الفكر العربي، أصبحت منذ تحالف غير المغفور له، من يطلق عليه شريف مكة، مع قوى الاستعمار في بداية القرن العشرين، تشغل وبشكل واع ومقصود حيزا كبيرا في ستراتيجيات القوى الاستعمارية في كيفية التعامل مع العرب. الإطار الأساسي لهذه الستراتيجية كان منع العرب من حكم أنفسهم بأنفسهم، وذلك عبر سياسة التقسيم، والتقسيم والتقسيم. هذه المنطقة كانت من آلاف السنين تشكل دائما وحدة سياسية، وثقافية، ودينية غير مجزأة.
هكذا كانت في ظل الامبراطورية الفارسية، وهكذا كانت في ظل الامبراطوريات العربية، وهكذا ظلت في ظل الحكم العثماني. لكن، وبمساعدة شريف مكة غير الشريف صارت هناك في بدايات القرن الماضي كيانات تتصف بكل مساوئ الدولة فيما يتعلق بالخلاف مع من حولها، ولا تتصف بالكثير من مواصفات الدولة كنظام قانوني وسياسي يحمي مواطنيه. القوى الاستعمارية كرست التجزئة عبر التحكم بمن يحكم هذه الكيانات، بحيث لا تتطور إلى دول حقيقية تحكم نفسها بنفسها، أي إن ما زعمه ابن خلدون عن أن العرب لا يجيدون حكم أنفسهم، ويرتاحون تحت حكم الأجنبي، هو نقيض الحقيقة تماما، فالعربي قادر على حكم نفسه مثلما كان قادرا على حكم غيره لقرون، وهو يطمح إلى الاستقلال وإلى حكم نفسه بنفسه وتسخير موارد منطقته لخير أبنائها، لكنه يُمنع الآن بكل الوسائل من حكم نفسه بنفسه.
وقد رأينا كيف أن تلك الكيانات التي شكلها المستعمر الأوروبي عبثت بها انقلابات العسكر، ونخرتها الحركات السياسية التي لم تخل أبدا من وجود ركائز للقوى الاستعمارية فيها، بما في ذلك الحركات الدينية واليسارية. المخابرات الاستعمارية كانت وراء تكوين حركات دينية رجعية وعميلة مثل الإخوان المسلمين، وكانت أيضا الأصابع التي تحرك دمى كثيرة في الحركات القومية، بما في ذلك حزب البعث، وصدام حسين مثال ساطع على ذلك، بل وحتى الأحزاب الشيوعية جرى اختراقها وتسييرها باتجاهات تخدم مصالح الامبريالية.
على عكس ما ادعى ابن خلدون، فإن همّ العرب في العصر الحديث هو أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، ويحرّم ذلك عليهم من قبل القوى الامبريالية أكثر مما يحرم على غيرهم.
العرب يفرض عليهم منذ قرن أن يرضوا بكيانات كارتونية مفتاح إدارتها في لندن، أو باريس، أو الآن واشنطن، فقوى الاستعمار ترى في العرب وهم منتظمون في دولة قوية مصدر خطر عليها. ولهذا نرى أن مزارع تربية التيوس في الجزيرة العربية وحدها هادئة لأنها مزارع صممت حسب مواصفات مزارع بوفالو الكاوبوي، وليس لدى أحد فيها نية استقلال أو تمرد على العبودية.
إن السياسة الأمريكية الإسرائيلية تجاه العرب تقوم أساسا على تهديم حتى الكيانات الكارتونية التي أنشأها الانجليز والفرنسيون للعرب في القرن الماضي، ومنع قيام أية دولة عربية حقيقية في هذه المنطقة.
وتهديم هذه الكيانات بدأ بالعراق حيث كان العراقيون قد تمكنوا رغم المؤامرات من التغلب على تحديات اقتصادية وحضارية كبيرة، على طريق بناء الدولة الحقيقية، لكنهم مع الأسف لم يستطيعوا التغلب على الكماشة التي استعملها الأمريكيون في تطويق جهودهم، تيوس الخليج وعملاء الداخل.
وتواصل التهديم بنجاح في كل مكان كان يوحي بنشوء دولة مستقلة، وكانت محاولة هدم الدولة السورية ذروة المؤامرة، ولو أنها نجحت لكنا نقرأ على العرب السلام. هنا في سورية تعثرت جهود الهدم رغم زخمها الهائل من الإرهابيين والتمويل الخليجي.
كانت الدولة العربية السورية قبل عام 2011 أقرب الكيانات العربية إلى شكل الدولة العصرية التي تتميز باستقلالية القرار. إن الهدم الاستعماري لكيانات العرب نجح في كل مكان، وتعثر في سورية لأسباب عديدة، أولها أن سورية كانت قد وضعت أسس دولة حقيقة قائمة على المؤسسات، وثانيها أن سورية مستقلة القرار، وثالثها أن سورية العربية روحا وفكرا وممارسة تهيأت لها قيادة رصينة، ورابعها أن سياسات هذه القيادة وضعتها في تحالفات متينة يعتمد عليها.
إن صمود الدولة العربية السورية بوجه الإرهاب هو أول انتصار عربي في العصر الحديث، انتصار سيجبر المعتدين على الانكفاء واتخاذ وضع الدفاع بعد الهجمة البربرية. وستقر أجيالنا القادمة بفضل الشعب العربي السوري على العرب قاطبة لأنه جعل من صدور أبنائه سدا يحمي العرب الذين تهاوت دولهم الكارتونية وذابت مثل الشموع.
سورية صارت تشكل مركز الدولة العربية الكبرى القادمة المستقلة ذات السيادة عن حق وحقيقة. وصمودها كان إنقاذا للعرب من الانقراض في حمى الصراعات الطائفية التي افتعلتها وأججت سعيرها الرجعية العربية المتحالفة مع الامبريالية والخاضعة للإرادة الإسرائيلية الغاشمة.
الدولة العربية السورية ستتعزز بتحرر العراق من الاحتلال. العراق ليس فيه الآن دولة، وليس فيه أيضا قوى مهيأة لإنشاء دولة عصرية مستقلة القرار على طراز سورية، لكن الأمل بتحرر العراق ليس مفقودا بالمرة، بل هو رهن بطرد المحتل الأمريكي الإسرائيلي من البلد، ويؤسفنا أن نقول إن هذا سيتحقق فقط بفضل السياسة الهادئة الطويلة النفس لإيران العازمة على طرد المستعمرن وركيزتهم الصهيونية من المنطقة كلها، وكذلك بفضل الانتصار السوري الحاسم، فقوى التحرر العراقية المجردة من الحول والقوة ستجد لها نصيرا في إيران وسورية.
العرب هم الشعب الأكبر في هذه المنطقة، فحتى لو استثنينا، لأسباب جغرافية بحتة، مصر وبقية البلدان العربية في شمال أفريقيا، ونظرنا إلى منطقة شرق المتوسط وحدها نرى أن العرب هم أكبر الأمم هنا، فهم يبلغون مثل إيران وتركيا مجتمعتين، نفوسا، ومساحة وموارد، وهم سيدخلون الاتحاد القادم بدولة عصرية قوية.
إن سورية هي الحجر الأساس في الدولة العربية التي ستكون الأكثر تأثيرا في الاتحاد المقبل، والمسألة هي مسألة وقت، لا غير، قبل أن تنضم إلى هذه الدولة أجزاء أخرى من أمة العرب، العراق، والأردن، ولبنان، وفلسطين، واليمن، أي كل حواضر العرب ومدنياتهم في شرق المتوسط وشرق البحر الأحمر.
وقد يتساءل أحد عن الحاجز الصحراوي المديد، مزارع التيوس بين العراق واليمن، بين الشمال العربي المتمدن والجنوب العربي المتمدن. سنتناول ذلك في حديث آخر.
وإذ نحن نفكر باتحاد حتمي بين أمم المنطقة يعجل به انتصار الشعب السوري الحاسم على الإرهاب، فإننا أبعد ما نكون من الدعوة إلى تشكيل المحاور في هذا الاتحاد، دون إنكار أن علاقة العرب المنتصرين في هذا الصراع بإيران ستكون علاقة خاصة، لكننا نعتقد جازمين أن طي صفحة سياسة أردوغان إزاء سورية كفيل بإنشاء علاقات متوازنة ضمن الاتحاد الحتمي. يجب أن نتذكر دائما أن أردوغان ساهم بسياسته تجاه سورية مساهمة فعالة في تقوية نفوذ إيران. لقد تحالف أردوغان مع الطرف الخطأ في الصراع العربي الداخلي، وهذا الطرف الخطأ سيخسر حتما، وخسارته ستكون حاسمة في تقرير مصير المنطقة.
إن أشقاءنا في سورية العربية وعدونا بمشروع مارشال ثقافي بعد الانتصار، ونحن على يقين أنهم على عهودهم ثابتون، وإننا لنكاد نرى جبالا من قمامة الفكر الوهابي التكفيري المتراكم عبر العصور تحت يافطة الإسلام يجري إلقاؤها في مزابل التاريخ، تليها جبال أخرى من الكلام المغرض السمج الذي تنتجه النزعات العنصرية الوضيعة المعادية للعروبة والإسلام. نحن مع مشروع مارشال الذي ينقي الفكر العربي الإسلامي من شوائبه التي علقت به نتيجة التزوير والتحريف، ويخرجه إلى العالم صافيا، ونقيا، ويرفده بكل ما هو إنساني في فكر البشرية.
نحن نتطلع إلى المستقبل حيث تخمد أصوات نابشي التاريخ، ويعلو صوت العقل الذي يضع الإنسان وحاضره ومستقبله في هذه المنطقة على رأس اهتماماته وفي قلبها. نحن الرواد في إقامة اتحاد الإخوة، وإنا بإذن الله لفاعلون.
* مع أنه ليس هناك ما يمنع من افتراض أن ابن خلدون لو عاش في زماننا، وعرف الانترنيت، لكان أصبح واحدا من الصعاليك الذين يشتمون العرب والإسلام على موقع العرب تايمز.