الأطراف الغربية والأزمة الإيرانية:
اصطفاف مجاني خلف “القاطرة الأمريكية” يضيع فرص المناورة
تزامن التصعيد في إيران مع اندفاع الأطراف الغربية لتبني الرؤية الأمريكية، بما يمنح واشنطن تفويضاً سياسياً واسعاً بلا مقابل، في وقت ترزح فيه تلك الأطراف تحت ضغوط غير مسبوقة عبر ملفات عدة تبدأ من أوكرانيا ولا تنتهي عند التهديد بابتلاع غرينلاند وضم كندا.
سعيد محمد *
في الوقت الذي تشهد فيه إيران موجة احتجاجات مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وجدت العواصم الغربية نفسها في سباق محموم لإصدار بيانات الإدانة وفرض مزيد من العقوبات على طهران، توازياً مع تسهيل جلي لتظاهرات أنصار نظام الشاه السابق في العديد من المدن الرئيسية. ومع ذلك، يكشف التحليل الدقيق للمواقف الأوروبية والبريطانية والكندية والأسترالية عن مفارقة استراتيجية عميقة: فبينما تسارع هذه الدول للالتحاق بركب التصعيد الأمريكي الذي يقوده الرئيس دونالد ترامب، فإنها تفقد طوعاً ورقة مساومة حيوية كان يمكن توظيفها لكبح جماح “التغول الأمريكي” الذي بات يهدد مصالح الغرب نفسه، بدءاً بتهميش أوروبا في ملف الحرب الأوكرانية، ومروراً بالضغوط الاقتصادية، وصولاً إلى التهديدات بابتلاع غرينلاند، وبضم كندا.
وبرز الموقف الألماني بوصفه التحول الأكثر حدة في التعاطي مع الحدث الإيراني، بعدما تبنى المستشار الألماني فريدريش ميرتس لهجة قطعية معلناً من الهند أن النظام الإيراني يعيش “في أيامه أو أسابيعه الأخيرة”، معتبراً أن “أي سلطة لا تستطيع البقاء إلا بالعنف تكون قد فقدت شرعيتها”.
وكانت ألمانيا قد انضمت إلى فرنسا وبريطانيا في إصدار بيان مشترك يدين “بأشد العبارات” ما وصف ب”قتل المتظاهرين”. وندد الرئيس إيمانويل ماكرون باستخدام ما أسماه “عنف الدولة” ضد المتظاهرين، وأكد تضامن بلاده مع “مطالب الإيرانيين”. كما دعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزيرة خارجيته إيفيت كوبر السلطات الإيرانية إلى وقف العنف فوراً، مشيدين بما وصفاه “شجاعة” المحتجين. في حين استدعت وزارات الخارجية في كل من باريس ولندن الدبلوماسيين الإيرانيين للاحتجاج.
وقالت صحف لندن بأن الحكومة البريطانية تتعرض لضغوط سياسية وإعلامية بشأن تصنيف منظمة الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، وهو ملف ينظر في تفاصيله القانونية لدى وزارة الداخلية. كما شهدت العاصمة لندن مظاهرة واسعة للمعارضين الإيرانيين وتعرض مقر السفارة الإيرانية إلى اعتداء ورفع علم ما قبل ثورة 1979، ما زاد من حدة التوتر الدبلوماسي مع طهران، التي استدعت السفيرة البريطانية لديها للاحتجاج.
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أعلنت بدورها “إدانة لا لبس فيها” لما وصفته بالقمع العنيف للاحتجاجات، مؤكدة أن حق التظاهر والتعبير يجب أن يُحترم. ولاحقاً، أعلنت الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس استعدادها لاقتراح حزمة عقوبات إضافية تستهدف أفراداً ومؤسسات مرتبطة بتنفيذ إجراءات الحكومة الإيرانية ضد المحتجين، مشيرة إلى أن الاتحاد يملك أصلًا منظومة عقوبات واسعة على إيران تشمل حقوق الإنسان والبرنامج النووي والدعم العسكري لروسيا في حرب أوكرانيا.
في السياق نفسه، قررت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا حظر دخول الدبلوماسيين الإيرانيين وممثلي النظام إلى مباني البرلمان في بروكسل وستراسبورغ ولوكسمبورغ، في خطوة رمزية، كما أعادت طرح فكرة إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة الإرهاب الأوروبية، وهي خطوة لطالما قوبلت بتحفظات قانونية وسياسية داخل الاتحاد، بسبب اشتراط صدور أحكام قضائية وطنية تسبق أي تصنيف جماعي.
كندا، التي لا تربطها علاقات دبلوماسية مع إيران منذ 2012، أصدرت موقفاً شديد اللهجة. رئيس الوزراء مارك كارني ووزيرة الخارجية أنيتا أناند وصفا الإجراءات التي تتخذها طهران بأنها “مقلقة للغاية”، وأكدا دعم بلادهما ل”حق الإيرانيين في التعبير”. الموقف الرسمي الكندي حظي بإجماع سياسي داخلي، مع تأييد واضح من المعارضة اليمينية المحافظة. كما شهدت المدن الكندية الكبرى تظاهرات حاشدة للجالية الإيرانية تطالب بتشديد العقوبات ودعم الاتصالات البديلة بعد قطع الإنترنت.
أستراليا من جهتها أصدرت تحذيراً عاجلاً لمواطنيها بمغادرة الأراضي الإيرانية فوراً، في مؤشر على تقدير أمني متشدد. وانضمت وزيرة الخارجية بيني وونغ إلى بيان مشترك مع الاتحاد الأوروبي وكندا يدين “قمع السلطات الإيرانية للاحتجاجات”، مؤكدة الوقوف إلى جانب “الشعب الإيراني في مواجهة نظام قمعي” على حد تعبيرها.
في المقابل، بدا رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان، وكأنه يغرد خارج سرب الأطراف الغربيّة جميعها، بعدما حذّر من أن أي تدخل عسكري خارجي في إيران قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية أوسع، داعياً إلى استخدام قنوات ضغط غير مباشرة، واعتماد الحوار والوسائل الدبلوماسية، في موقف يعكس تبلور تيار ديغولي جديد ضمن النخب الفرنسية يرى في الاستقلال النسبي عن السياسة الأميركية عنصراً أساسياً للاحتفاظ بدور دولي لباريس.
موقف دو فيلبان يطرح سؤالاً استراتيجياً أوسع حول كلفة الاصطفاف الغربي المجاني خلف الولايات المتحدة. فالدول الأوروبية، عبر تبنيها شبه الكامل للمقاربة الأميركية، تخسر فرصة استخدام الملف الإيراني كورقة تفاوضية في مواجهة تغوّل واشنطن في ملفات أخرى تعنيها مباشرة، أبرزها الحرب في أوكرانيا، والنزاع حول غرينلاند، والضغوط الاقتصادية والجمركية، وصولًا إلى التهديدات المباشرة لكندا وشركاء آخرين.
وكان بإمكان الاتحاد الأوروبي، نظرياً، أن يستثمر موقعه كقوة اقتصادية ودبلوماسية مستقلة نسبياً لبلورة مسار مختلف، يوازن بين الضغط على طهران والحفاظ على هامش مناورة استراتيجي مع واشنطن. إلا أن الخشية من إغضاب الإدارة الأميركية، في لحظة تشهد إعادة تشكل للنظام الدولي، دفعت الأوروبيين إلى خيار الاصطفاف الذليل، على حساب بناء نفوذ مستقل.
وبعد فنزويلا، تكشف أزمة إيران محدودية قدرة الأطراف الغربيّة على التأثير في مسارات الأحداث الدولية، وفقدانها كل أدوات المبادرة الاستراتيجية في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية تجاه حلفائها التقليديين، من الرسوم الجمركية العقابية إلى استخدام محض القوة لتغيير البيئة الأمنية في قلب أوروبا والقطب الشمالي والمحيط الهادي، ليجد هؤلاء أنفسهم مرة أخرى في موقع التابع، فاقدين فرصة تحويل أزمة خارجية إلى رافعة سياسية.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-01-15