الأسد يفرض شروطه بأمر الواقع.. إنها الحرب
اسماعيل القاسمي الحسني
لم تكن نتائج مؤتمر جنييف التي نسفت البارحة بالنسبة لنا مفاجئة، فذلك ما أشرنا له مرارا، و أخرها مقالنا “متى يستفيق السوريون من مسلسل حلم جنييف ؟” 30 من الشهر الماضي، فأي منصف يمكنه متابع للواقع الميداني العسكري في سوريا من جهة، و متابع للتخبط في المواقف و تشرذمها لدى ما يسمى بالمعارضات السورية، يمكنه توقع نتائج لقاءات جنييف مهما تعددت حلقات مسلسلها، كما لا يغريه تزيين عناوينها، و لن يغير في شيء تبديل وجوه الممثلين أبطالا أو كومبارس، ذلك أن جوهر الصراع بيد الفاعلين على الأرض، و هنا هما اثنان لا غير، الاول هو القيادة السورية بالجيش العربي السوري، و طيف واسع من الشعب السوري، و من يقف الى صفها من قوى دولية عظمى على رأسها روسيا و ايران و الصين.
يقابله الفاعل الثاني و هو الولايات المتحدة عبر وسطائها من جماعات مسلحة، نواصيها بيد قوى اقليمية مثل تركيا و السعودية، ترتدي لبوس المعارضة السياسية؛ و من يتأمل بعمق المواقف العملية للجانبين، بغض النظر عن التصريحات الاعلامية؛ سينتهي حتما و بشكل موضوعي للنتيجة التي طالما رددناها هنا منذ مؤتمر جنييف1.
و قد يسأل القارئ: إذا لماذا هذه المؤتمرات و اللقاءات؟ خاصة و أن الامم المتحدة و كثير من المعنيين بالمشاركة فيه، يمهدون لها بحملة إعلامية تبعث الأمل، و توحي بأن هناك احتمال لوقف نزيف الدم في سوريا و وقف الحرب.
شخصيا أتلقى رسائل كثيرة تحمل هذه التساؤلات، و يلح أصحابها عن معرفة مصير كل هذه الدراما المأساوية، و متى ستكون نهايتها.
دعوني هنا بداية اسجل ملاحظة أعتقد أنها بالغة الأهمية، و هي اعتقادي الراسخ بأن القيادة السورية تملك سلطة قرارها بشكل كلّي، و القول بأن الأمر بات بيد الروس مجانب لواقع الحال، و دون الدخول في تفاصيل تاريخية تكشف عن قوة “العقل السياسي” للقيادة السورية، (و هذا ليس من باب المدح و لا الدعم و إنما تقرير واقع)، نحيل صاحب هذا التصور، موقف الرئيس حافظ الاسد من مفاوضاته غير المباشرة مع العدو الاسرائيلي حول الجولان؛ إذ سجّل التاريخ بأن الرجل رفض التنازل عن أمتار من شريط بحيرة طبرية، و برر ذلك بأنه إن عجز جيله عن استعادة كل الجولان المحتل، فلن يرهن قرار جيل سوري في المستقبل بقبوله التنازل عن شريط من بضعة أمتار.
هذا العقل السياسي الذي رفض رهن القرار في مستقبل الأيام، يستحيل معه أن يرهنه في حاضره؛ لا شك أن لروسيا و إيران قوة تأثير في القرار السوري، لكن يبقى ذلكم التأثير تحت سقف المصلحة العليا للشعب السوري، و لا يمكنها بأي حال و مهما قدّمت من دعم أن تخترقه؛ و لو كان القرار السيادي السوري قابلا للاختراق او الترويض أو التطويع لما يخرج عن المصلحة العليا للدولة السورية، لوقع أثناء المفاوضات غير المباشرة مع العدو الاسرائيلي، أو مع تهديد كولن باول عام 2003، و غيرهما من مواقف مفصلية و خطيرة حدثت عام 2005 و بعده.
الملاحظة الثانية، و هي أن القيادة السورية تكون على قناعة قاطعة بأن لا نتائج جدية من مؤتمر جنييف، و لهذه القناعة مرتكزات واقعية، لا مجال هنا لتفصيلها، و إنما بالنسبة للمؤتمر الأخير فواقع الحال و فيما وراءه، لم يكن يعني البحث عن مخارج للأزمة السورية، بل كان يجتهد كل المشاركين فيه لتحقيق هدفين أو واحد منهما على الأقل.
الهدف الرئيسي الأول لدى أطراف الصراع الدموي، هو خلق قنوات قانونية بشهادة العالم تبرر موقفه، بمعنى: الوفد السوري الشرعي، يسعى لتطويع الحركة داخل مؤتمر جنييف3، بحيث تصب بشكل يتطابق أكثر مع القانون الدولي، و يكشف أكثر للرأي العام العالمي بأن موقفه شرعي بامتياز؛ و كذلك بالنسبة لخصوم القيادة السورية هو ذات الهدف؛ و الملاحظ المنصف يقف على واقع نجاح الدبلوماسية السورية في تحقيق هدفها، ففضلا عن كونها أعطت صورة وفد واحد ينطق بلسان واحد و مواقفه مستقرة غير متقلبة، فقد أثبت بموقفه الواضح بعدم فرض شروط مسبقة التزاما منه بقرارات الأمم المتحدة، و أثبت منهجية في ترتيب مواد القرار 2254؛ و في المقابل عجز خصومه من المعارضة، في توحيد صفه و توحيد موقفه الذي بدأ في التقلب قبل المؤتمر و أثناءه، و عجز في توحيد اللسان الناطق باسمه، و أخطر من ذلك أشهد على نفسه الرأي العام و هيئة الأمم المتحدة بعدم جديته في الالتزام بالمجيء دون شروط مسبقة، كما أظهر إفلاسه السياسي بضرورة تقديم البندين 12 و 13 من القرار على ما تقدمه من بنود؛ و كانت الضربة القاضية إن جاز الوصف باعلانه الانسحاب بمبررات أقر حليفه الامريكي بعدم صوابيتها وفق تصريح جون كيري أول أمس.
و النتيجة تقدم دبلوماسي للوفد السوري الشرعي، و تقهقر مهين لخصومه.
الهدف الثاني ثانوي قياسا بالأول على أهميته العالية، و هو اجتهاد كل طرف، في صياغة صورة إعلامية عالمية، تبرز مدى صحة موقفه و سلامته، و مطابقة تفاصيله مع ما تتقبله الفطرة الانسانية؛ و هنا كذلك نجح الدكتور بشار الجعفري بصفته رئيس الوفد الرسمي السوري الشرعي، بإعطاء صورة متوازنة و مقنعة بمنهجيته في الطرح، و امتلاكه الحق الحصري في التعبير عن موقف القيادة السورية، بيد أن الطرف المقابل، فقد أظهر للرأي العام صورة أجسام متعددة، و لكل جسم رؤوسا شتى، و لكل رأس منها عدة ألسن، الأمر الذي خلط على متابعيهم المشهد، و قلّب لهم المواقف بسرعة عجز العقل عن متابعتها فضلا عن استيعابها.
خلاصة الأمر فيما تعلق بجنييف3، تتمثل في عودة وفود المعارضة الى العواصم التي جاءت منها، خاوية الوفاض، حتى لا نقول بخسائر فادحة عن صورتها لدى مؤيديها، و عاد الوفد السوري الرسمي و الشرعي الى دمشق، بعد أن رسخ شروط الرئيس بشار الأسد التي وضعها عام 2012، يحمل معه تحرير مساحات من الرأي العام، التي كانت محتلة بعدم شرعية حربه على الجماعات الارهابية، و يحمل بيد أخرى تأييدا من بعض الدول في مواصلة التصدي لحرب تشنها تركيا و السعودية على الأرض السورية.
فلاح جزائري
عن رأي اليوم
2016-02-04
