الأردن ما بعد طوفان الأقصى!
جمال الطاهات
بالرغم من نجاح الحشد العسكري الضخم وغير المسبوق في حصر العمليات العسكرية في نطاق جغرافيا غزة، إلا أنه لا يستطيع -ولا يهدف- احتواء نتائجها السياسية والاستراتيجية التي لن تتوقف على حدود غزة وإسرائيل. فكما قيل عام 2006، بان المعارك بين إسرائيل وحزب الله تمهد لشرق أوسط جديد على حد تعبير وزيرة خارجية الولايات المتحدة آنئذ “كونداليزا رايس”، فإن الحرب في غزة تمهد لما هو أكبر من ذلك، وبغض النظر عن نتائجها فإن هناك شرق أوسط جديد، وخصوصاً أن المشهد العسكري في غزة يلقي (بظلاله وغباره ورذاذ طوفانه) على جغرافيا واسعة النطاق، تمتد إلى وسط آسيا، وشرق أوروبا، وكل شواطئ ومسارات البحار الأسود والأبيض والأحمر.
والأردن لن يكون في منأى عن التحولات التي فتحت المعارك بواباتها. فما يعلن من طرفي الصراع، حماس وتل أبيب، وبتأييد من واشنطن بأن لا عودة إلى ترتيبات ما قبل 7/10/2023، تعني منظومة جديدة لعلاقات القوى الإقليمية، ستفرضها حقائق القوة على الأرض، ليس عبر ميزان النار فقط، ولكن بحساب محدودية القوى العسكرية، وتناقص فاعليتها كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية مستدامة. فحرب غزة ستفرز (ترتيبات أمنية جديدة) تؤدي إلى افقاد الجغرافيا الكثير من وزنها التقليدي في حسابات القوة. إذ يتم اختزال قيمة الجغرافيا إلى مجرد مسارات وبوابات، ولم تعد تعمل كحواجز لا يمكن اجتيازها إلا بالاستئذان.
من جهة أخرى، فإن هزال قمة 11/11/2023، تأكيد على فقدان المنظومات الإقليمية لقيمتها كإطار سياسي لاحتواء الصراعات وإدارتها، وبالتالي تآكل قيمتها في ترتيبات ما بعد الصراع. فكل ما استطاعت القمة أن تقوله، هو الحديث عن البعد الإنساني للصراع، واختزلت نفسها إلى مجرد هيئة إغاثة عاجزة.
محاولة المستبد الفاسد أن يخصر دور الاردن عبر بوابة البعد الإنساني للصراع، تؤكد على هزال العقل السياسي في الدولة الأردنية، وانحطاط مستوى تفكير المجموعة الحاكمة. البحث عن دور من بوابة البعد الإنساني للصراع لا يليق بدولة بظروف الأردن، وهو تأكيد على استمرار عقلية “تجار الشنطة” في مركز صناعة القرار. كما أن التصريحات الرسمية الرافضة للتهجير مجرد نكتة سمجة، حيث لا أحد يفكر بتهجير أهل غزة إلى الأردن، الذي اعتاد على استقبال اللاجئين لتامين مصادر مالية للمستبد الفاسد وعائلته، وتعزيز دورهم السياسي الدولي. وحدها مصر قالت كلمتها في موضوع اللاجئين، وأغلقت الملف إقليمياً ودولياً بعد تأكيد واشنطن على رفض التهجير، ورفض احتلال إسرائيل لغزة او لأي جزء منها، ورفض استمرار حماس في الانفراد بحكم غزة. إصرار الأردن على تكرار الحديث عن اللاجئين، هو ببساطة دليل إفلاس، وغياب تصورات لدى الحكومة عن دور الأردن في مرحلة التسويات الكبرى ما بعد الحرب.
أخطر استحقاقات معركة غزة، ان الأهداف العسكرية لطرفيها، هي إحداث تحويلات في البنية السياسية-الاجتماعية للطرف الآخر. فالمضامين الاستراتيجية لأي معركة لا تتعلق بوجهة فوهات المدافع، بل بالهدف السياسي الذي تسعى لخدمته. وانطلاقاً من حقيقة أن الحروب -بغض النظر عن نتائجها- تغير أطرافها بشكل حاسم عبر سعيهم لتغيير خصومهم، فهذه الحرب ستنتج إسرائيل جديدة، وغزة جديدة، وكذلك نخبة فلسطينية جديدة على امتداد الوجود الفلسطيني. يترافق ذلك مع تحول حقيقي في المنظور العالمي للصراع، وفي آفاق التعامل معه، والانتقال من مرحلة إدارة الصراع، التي اعتاد المستبد الفاسد وعائلته على التكسب من اخذ أدوارهم خلالها، إلى ترتيبات شبه نهائية، وعملية سياسية فلسطينية إسرائيلية ستفضي إلى علاقات قوى جديدة على مستوى الإقليم. فحرب غزة أنهت مرحلة إدارة الصراع، ووضعت طرفيها والعالم أمام استحقاق تسويته، وهمشت المنظومات الإقليمية (وليس كل الأطراف الإقليمية) في مشروع التسوية.
والسؤال الآن، ماذا يملك الأردن -كطرف قائم بذاته- ليقدمه في سياق تسوية الصراع؟ وماذا يملك المستبد الفاسد وعائلته من أرصده سياسية واستراتيجية للتعامل مع مرحلة تسوية الصراع؟
الأردن شعباً وأرضاً يملك الكثير، وهو ليس للبيع ولا للتأجير. ولا يمكن من حيث المبدأ أن تقوم عائلة فاسدة بالسطو على الدولة من جديد لإدامة تغريب الأردن عن شعبه وتوظيفه في سياق التسويات الكبرى عبر منظومة الاقصاء والمكارم. فلا يمكن أن يتم اشتقاق دور للأردن بعيداً عن تحوله نحو دولة ديمقراطية كاملة دون خزعبلات ووعود فارغة. فالتسويات الكبرى تعتمد على الانتقال من ضباب الصراع وخدعه، نحو منظومات تبنى على قواعد صارمة (Rules-Based Order)، وهذا يعني ضرورة تامين الاستقرار التشريعي والمؤسسي لأي دولة لها دور موضوعي بالتسويات الكبرى، التي تلغي كل أشكال التواطؤ التي كانت ممكنة في مرحلة إدارة الصراع.
والحال كذلك، فإن القوى الديمقراطية الأردنية هي من يتحمل أعباء الحفاظ على الدولة وإدامتها، عبر التأكيد على أنها أولاً دولة الشعب الأردني وليست دولة العائلة، وثانياً عبر تطوير صورة الدولة الحقيقية في الأردن، وفرضها بالنضالات السلمية. خلاف ذلك ستكون الدولة كلها في مهب الريح، وليس المستبد الفاسد وعائلته فقط. فلا يمكن الاعتماد على فرضية أن العائلة التي بددت أرصدتها في مرحلة إدارة الصراع، قادرة على إدارة التحول والحفاظ على الأردن وتهيئته للدخول إلى مرحلة التسويات الكبرى. وأبرز دليل على الإفلاس والخوف هو اعتقال المئات من المتظاهرين، في وقت يكرر المستبد الفاسد وزوجته التعاطف مع ضحايا الحرب، وذلك تأكيد على إصرارهما على احتكار كل تفاصيل المشهد السياسي، بما فيها البكاء على الضحايا، وهو أمر لم يعد ممكناً بعد صباح يوم 7/10/2023.
أخيراً، فإن انتشار رذاذ طوفان الأقصى عبر العالم، يجعل من المستحيل تجاهل أثر الطوفان على الأردن. فلا يمكن للأردن أن يستمر ببنيته الداخلية الراهنة مع التحولات المتوقعة في المرحلة القادمة. والحفاظ على الأردن (الدولة وليس النظام) مسؤولية الشعب الأردني، وهذه يمكن تحقيقها بتصعيد النضال لتمكين شعبنا من استرداد دولته سلطة وموارد، وبناء الدولة الحقيقية. فالديمقراطية أصبحت ضرورة للحفاظ على الأردن ككيان، وليس فقط ضرورة محلية لوقف النهب، وتمكين المواطنين من الحصول على حقوقهم. ومن يريد أن يعترض مسيرة التحول الديمقراطي، أو أن يستمر بممارسة الخداع والتسويف، يكون قد اختار نهاية مسيرته السياسية.
2023-11-15
