الأردن بين مقاومة الوهابية والتوهيب!
د. موفق محادين.
بخلاف ثقافة الإسلام المعتدل التي كانت سائدة في الأردن وغيره، تُظهِر أصوات ومنابر محلية بين الحين والحين أن موجة التوهيب والوهابية تسللت بقوة إلى الأردن، في غمرة التعبئة الطائفية التي وظّفتها القوى الأطلسية والصهيونية والرجعية والعثمانية الجديدة، سواء في أفغانستان أو سوريا والعراق والشرق عموما.
وفي الحقيقة، فإن المحاولات الوهابية أسبق من ذلك، وتحفل جريدة الشرق العربي، الصادرة بتاريخ آذار 1923، فصاعدا، ومذكرات خير الدين الزركلي، عامان في عمّان، ومذكرات عودة القسوس، وكتاب ماري ولسون، الأمير عبد الله و شرق الأردن، وسليمان الموسى، في كتابه، تاريخ الأردن في القرن العشرين، بمقاربات ومعلومات وفيرة حول غزوات الوهابيين لشرق الأردن في تلك الفترة، ويشار كذلك إلى ما أورده بيركهارت حول نشاط وهابي في الكرك في القرن التاسع عشر.
والأبرز في كل ذلك، علاقة تلك الهجمات بترسيم الحدود بعد الحرب العالمية الأولى، والصراع القديم بين القوى الجديدة ومن خلفها بريطانيا.
بدأت أخطر الهجمات الوهابية في آب 1922، واصدمت مع بني صخر وحلفائهم من الحويطات والقبائل الأخرى، وانتهت المعركة بهزيمة الوهابيين المهاجمين من قبائل عتيبه ومطير مخلفين مئات القتلى.
واللافت للانتباه، بحسب المصادر المذكورة، أن القوات البريطانية رفضت المشاركة في صد الهجوم، بل إن ماري ولسون تذهب إلى أن جون فيلبي وعبد العزيز آل سعود كانا وراء تلك الغزوات الوهابية، وأن الإنجليز في الهجوم الوهابي الثاني اضطروا إلى إرسال طائرة حربية رمت قنابلها في الرمل.
ومنذ نجاح التحالف القبلي لبني صخر في صد الغزوات الوهابية، مرورا بترسيم الحدود، وحتى سبعينيات القرن الماضي، ظلّ الأردن محصنا ضد الفكر الوهابي، بفعل ثقافة الإسلام المعتدل، والفترات التي تولى فيها قوميون سابقون، مثل ذوقان الهنداوي وزارة التربية والتعليم والإشراف على المناهج المدرسية.
مقابل ذلك، ومع الانقلاب الساداتي، ثم جعفر النميري في السودان، وزيادة اعتماد الاستعمار الأمريكي الجديد على جماعات الإسلام السياسي مقابل حركة التحرر العربي والعالمية، شهدت الأردن وخاصة بعد أيلول، انقلابا في المناهج الدراسية تمثل في تكليف إسلاميين أو مقربين منهم بوزارة التربية والتعليم كما في تدريس كتاب لأبي الأعلى المودودي تحت عنوان مباديء الإسلام، وذلك عام 1973، علما بأن المودودي شكّل مع سيد قطب رأس الحربة الفكرية في الوهابية السياسية.
ثم تفاقمت هذه الحالة بعد الظاهرة التي عرفت بالجهاد الأمريكي، أو الجهاد الذي أطلقته المخابرات الأمريكية والبريطانية في أفغانستان ثم في سوريا على دفعتين: 1983 بعد كامب ديفيد، و2011 تحضيرا لصفقة القرن ومحاولات التصفية النهائية للقضية الفلسطينية لمصلحة العدو الصهيوني، وحشدت من أجله كل التوظيفات والتعبئة الطائفية التكفيرية المعروفة.
2021-01-24